ملفّ بتروفاك، حين تتداخل مصالح الشركات الناهبة مع الفساد السياسي، بقلم أماني بوزيد

تصدّرت شركة بتروفاك المشهد الإعلامي التونسي منذ أكثر من عام و لازالت تتصدّره إلى اليوم لتعكس وزن هذه الشركة بالنسبة لتونس ،  خاصةً  و أنّه قد عرفت تونس منذ الثورة مغادرة عشرات الشركات الأجنبية و غلق عدد من المصانع الأجنبية و المحلية دون أن يكون لهذا الغلق و المغادرة أيُّ قدرٍ من  الاهتمام الإعلامي و الحكومي الذي عرفته بتروفاك ، و الذي بلغ بممثّلي الحكومة و عدد من الأحزاب الحاكمة إلى الإشارة المباشرة إلى أنّ مصلحة تونس من مصلحة شركة بتروفاك .
و بالفعل لم يُختَزل حضور و أهمية ملفّ بتروفاك على الجانب الإعلامي أو السياسي بل تترجم في صيف 2016 إلى تدخّل أمني عنيف قد طال أهالي جزيرة قرقنة  مع إلقاء القبض على عدد من المعتصمين و ترويع عائلاتهم .

المريب ، أنّه في الوقت الذي اتّفقت فيه بارونات الإعلام و السياسة على الإنتصار لشركة بتروفاك ، تكشف دراسة واقع الملفّ على معطيات تطرح أكثر من نقطة استفهام حول هذا الموقف :

بدايةً ، تكشف مراجعة كيفية تحصّل شركة بتروفاك على رخصةٍ للإنتصاب و الإستغلال في المغرب العربي و تحديدا في تونس ، إلى أنّ هذه الشركة  متورّطة في قضية رشوة كانت قد دفعتها إلى صهر المخلوع بن عليّ ،  المنصف الطرابلسي  ، سنة 2006 لاختيار عرضها المقدّم للحصول على حقل الشرقي بقرقنة دونا عن كلّ الشركات الأخرى .
و في حين تلقّى المنصف الطرابلسي حكما بالسجن بعد ثبوت التهمة ، لم يقع اتّخاذ اي إجراء سياسي في حقّ الشركة البريطانية  و لا أي إجراء قانوني .
بل إنّ الموقف صار يبدو كصورة كاريكاتورية مؤلمة بعد القرارات القانونية الأخيرة المتّخذة في حقّ تونس و التي استطاعت من خلالها الدولة البريطانية – التي تقدّم نفسها على أنها الحامي الشرعي للحقوق عالميّا –   إجبار تونس منذ أشهر ، على دفع تعويض لعائلات الضحايا البريطانيين الذي ماتوا في عملية ارهابية في ولاية سوسة بتونس . و في المقابل لم تحاول السلطة التونسيّة اتّخاذ أيّ إجراء سياسي أو قانوني للدفاع عن ثروات البلاد الباطنية ، رغم أنّ الواقع يحتّم على الشركة البريطانيّة جبر الضرر الحاصل نتاج عملية التحيّل هذه ، طيلة سنوات استغلالها للحقل الغازي .
من جهة أخرى ، لا تعتبر شركة بتروفاك محلّ اتّهام حول مدى أحقيتها بالتصرّف في حقل الشرقي فقط ، بل أيضا حول الحالة الصحيّة للبيئة في جزيرة قرقنة . بعد صرخات الفزع التي أطلقها البحّارة و عددٌ من المختصّين على إثر التغيّرات البيئيّة المرصودة في الجزيرة نتاج عمليّات الحفر و التلوّث البحري  على إثر تسرّبات نفطيّة متكرّرة لشركة نفطية بريطانيّة أخرى ، كان الأمر يحتّم فتح تحقيق إستعجالي لتحديد الخسائر و المسؤولية فيها من أجل المعالجة .

و لكنّ السلطة قد انتهجت نهجا مختلفا لم تحد عنه منذ تناول الرأي العام للملفّ : وهو تثمين موقف بتروفاك القاضي بعدم مغادرة تونس  و تقديم  الشكر لها  في أكثر من مناسبة على هذا الموقف   بل و وصل الأمر إلى اعتبار أنّ الشركة قد أوفت المتظاهرين حقوقهم  و أنّها تتكبّد خسائر هائلة في سبيل خدمة تونس .
هذا الخطابُ القاضي بتقزيم مقدرات تونس الباطنيّة و تصوير الشركة الربحيّة على أنها جمعيّة خيريّة أو مؤسسة إعانات متضامنة مع تونس يزيدُ من عمق التساؤل حول مدى براءة خطاب السلطة في التعامل مع ملفّ هذه الشركة  و ملفّ الثروات الباطنيّة في تونس عامّة ،  خاصّة بعد دخول حقلي الغاز ” الشرقي 6 ” و “الشرقي8”  حيّز الإنتاج  ، منذ سنتين فقط  ، ما يمثّل ربحا جديدا خالصا مضافا إلى خزنة شركة بتروفاك وحدها ، إضافة إلى ما تتمتّع به الشركة من إمتيازات ضريبيّة استعماريّة ، ككلّ شركات إستغلال الثروات الأجنبيّة في تونس .

لم يكنْ كافيا بالنسبة للسلطة استغلال الشركة لثروات البلد بصفة غير قانونية على إثر جريمة تحيّل و رشوة ، كما لم يكن كافيا قيمة الثروة الباطنيّة في تونس لتعيد النظر في شرعيّة  حيازة هذه الشركة لحقل الغاز بقرقنة
و الأدهى أنّ هذا لم يكن كافيا أيضا  ليجعلها تحترمُ الشعب الذي تنتمي إليه و تتولّى شؤونه ،  فتحترِمَ إرادته في إعادة النظر في سياسة تمكين الشركات الناهبة من ثروات البلد الباطنيّة و في السياسة الإقتصادية عامّة ، بل إنّ الأمر قد تجاوز عدم الإكتراث بمطالب الناّس إلى عدم الإكتراث بأمنهم .

و قد كان سيبدو التلويح بعدم حرص السلطة على أمن التونسيّين في تعاطيها لملفّ بتروفاك مبالغا فيه لو كانت بتروفاك شركة أجنبيّة عاديّة ككلّ الشركات التجاريّة . و لكن تاريخ و واقع الشركات العاملة في مجال استغلال الثروات الطبيعيّة يجعل من الواجب الأمني مراقبة و تحديد مجال صلاحيّة هذه الشركات في بلدٍ يحترم نفسه و شعبه .

حيث أنّ التكالب بين كبرى الشركات الرأسمالية في هذا المجال لم يجعلها فقط تستثمر البيئات السياسّية المضطربة و الأوضاع الإجتماعيّة و الثقافيّة المهمّشة بل إنّ الصحافة العالميّة و عددا من المنظّمات قد كشفت ، رغم توجّهاتها ، في أكثر من مناسبة تورّط هذه الشركات في افتعال الحروب الأهليّة و المشاكل السياسيّة و ما فضيحة تمويل شركات أوروبيّة للنزاع في افريقيا الوسطى إلّا أحد الشواهد العديدة على واقع هذه الشركات .

و رغم أنّ شركة بتروفاك لم يثبت عليها إلى حدّ الآن إلّا تورّطها في قضيّة رشوة و حيازة غير قانونيّة للثروة الأمر الذي كبّد تونس خسائر هائلة ،  إلّا أنّ ما راج حول تدخّل الشركة في الدعم اللوجيستي لنقل الأمنين إضافة إلى موقف الشركة من القمع البوليسي للمحتجين (و الذي بلغ شبهة التعذيب بحسب تحقيق موقع نواة الإخباري) يعدّ جرس إنذارٍ لتجاوز خطيرٍ لصلاحيّتها في البلد و يعدّ استفزازا مباشرا للمعارضين لوجودها خاصّة و أنّ السلطة لم تتخذ أي إجراء في الصدد .
كما لم تتخذ أي إجراء في حقّ الإعلاميّين الذين خُصّصت لهم مساحات إعلاميّة هائلة للدعاية  إلى وجود جماعات إرهابيّة متمركزة في جزيرة قرقنة و إلى تحضير هذه الجماعات لعمليّات كبيرة في الجزيرة
و حيثُ أنّ واقع الجزيرة كان واقعا مخصوصا إذ تتكوّن الأخيرة من عدد من العائلات الكبيرة التي يعرفُ بعضُها بعضا جيّدا ، كما تتميّز الجزيرة الصغيرة جدّا بانغلاقها على أهلها نظرا للظروف التنموية فيها و لعدّة ظروف أخرى ، إضافة إلى إنعزالها عن معتمدية صفاقس برّا و صعوبة التنقل إليها ، الأمر الذي يجعلها  و على جميع الأصعدة مكانا غير استراتيجي لوجود ارهابيّين بل ربّما مكانا خطرا عليهم من حيث الرقابة الإجتماعيّة و المحاصرة اللوجيستيّة التي سيواجهونها .

و مع تأكيد الأهالي على زيف هذه الدعوات ، لا يمكن التقليل من خطورة هذه الدعاية التي تروّج لامكانيّة  حصول عمليّة ارهابيّة في الجزيرة و لا يمكن قراءتها في معزل عن ملفّ شركة بتروفاك ، و هذا ما يجعل عدم التحقيق في مصدر المعلومات التي بنى عليها هؤلاء الإعلاميّون دعايتهم و عدم التحقيق في واقع الجزيرة و في علاقة  بعض الجهات الأمنيّة بالشركة أمرا خطيرا تستهين خلاله السلطة بأمن الأهل في قرقنة و المتظاهرين بصفة مباشرة  .
يعدّ ملفّ بتروفاك من أكبر الملفّات التي طَرحها الرأي العام المؤمن بالثورة في السنواتِ الأخيرة ، لا فقط  لارتباط الملفّ بموضوع حيوي وهو الثروات الطبيعيّة في تونس و ارتهانها للأجنبي ، بل لأنّ هذا الملفّ قد استطاع بشكلٍ غير مرتّب ، تسليط الضوء على خيوط شبكة مافيوزيّة تحاول الإبقاء على سيطرتها على البلد و تتمركز في عدد من القطاعات الحيويّة  : القضاء ، الأمن ، الإعلام  و السياسة .

و هذا ما يزيد من مسؤوليّة  المخلصين في مختلف القطاعات من الإعلام إلى القضاء و الأمن  و يحتّم على الجميع تكثيف العمل لكشف الحقيقة في هذا الملفّ و فيما يتعلّق به من ملفّات لأنّ تواصل الشعور بالظلم و بهضم الحقّ الذي قد أصبح حالة عامّة في الشارع التونسي يمثّل إشعارا لحالة الإحتقان و الغضب التي ليس من مصلحة أيّ طرفٍ تفاقمها وخروجها عن السيطرة .

أترك تعليق

تعليقات

عن آماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991 , أصيلة ولاية سوسة , مهندسة إختصاص إعلامية
متحصلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية : قوة التفكير , القيادة السياسية , …