الخلفيات الدينية وراء قرار ترامب بتهويد القدس بقلم عائدة بن عمر

يُخطئ من يعتقد أن الموقف الامريكي من موضوعة القدس ينبع من معادلات سياسية، مثلما يخطئ من يعتقد ان تدخل بوتين في سوريا لا يرتبط بسياسات الكنيسة الأرثوذكسية، وللأسف لازال البعض متأثراً بوهم خرافة سيطرة اليهود على مفاصل الدولة الأمريكية بينما الصحيح هو أن الخلفية الفكرية والدينية للمجتمع الأمريكي (والذي يتشكل من الرؤى البروتستانتية والإنجيلية التي نطلق عليها المسيحية المتهودة)، هذه الخلفية هي التي تحدد الموقف الأمريكي من الصراع العربي الإسرائيلي.

ومن يريد أن يعرف أمريكا وسياساتها عليه أن يفهم المسيحية اليهودية عندها سيفهم الخلفيات التي تؤثر في تشكيل عقلية صانع القرار الامريكي.

فما هي المسيحية اليهودية، المسيحىة اليهودية هي أقدم من اليهودية،إذ تعود جذورها الى القرن الاول للمسيحية الى تيار ديني يسمى(الالفية)، والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين الذين هم من (أصل يهودي)وهم يعتقدون أن المسيح سيعود الى هذا العالم محاطا بالقديسيين ليملك في الارض الف سنة ومن هنا جاءت تسمية بالالفية،وهكذا فان المسيحية المتهودة هي اخطر من اليهودية، لأن اليهودية تعتبر إيديولوجية سياسية،بينما المسيحية اليهودية هى أيديولوجية دينية بحتة، وتقوم على فكرة مفادها أن هناك ثلاثة إشارات إلهية يجب أن تتحقق قبل أن يعود المسيح إلى الأرض،وهي: قيام دولة إسرائيل وامتلاك مدينة القدس وإعادة بناء هيكل سليمان وأنه بعد تحقق تلك الإشارات ستقع معركة هرمجدون،وهي معركة يعتقد الإنجيليون أنها ستقع في سهل مجدون وأن التنبؤ بها ورد في أسفار حزقيال ويوحنا ويوشع وهي تقول: إن قوات الكفار سوف تدمر فيها، وإن المسيح سوف يظهر فوق أرض المعركة ويرفع المؤمنين به ويخلصهم من الدمار ومن ثم يحكم العالم مدة ألف عام حتى تقوم الساعة.

ووفقًا لهذه العقيدة الدينية فإن الإنجيليين يعتبرون أن دعم قيام إسرائيل واجب شرعي مسيحي، وكذلك دعم توسعها والاعتراف بالقدس عاصمة لها، وكذلك تمويل الإستيطان اليهودي في الأرض المحتلة، بل أكثر من هذا فإن عليهم دعم المخططات الرامية إلى هدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان. وقد التقت المسيحية اليهودية مع أجندة المحافظين الجدد واليمين الأمريكي اذ يؤمن المحافظون الجدد أن من واجبهم التعجيل بعودة “المسيح” إلى الأرض، لتحقيق نبوءة الكتاب المقدس “بشن الحرب على المسلمين والاستيلاء على كل الأراضي المقدسة”. ويبلغ عدد المنتمين إلى الكنائس الإنجيلية التي تعتقد بالمسيحية اليهودية وضرورة قيام إسرائيل وبناء الهيكل تمهيدًا لعودة المسيح أكثر من 90 مليون أمريكي ينتمون إلى 200 طائفة، وتمتلك (1400) محطة تليفزيون وإذاعة، وينتمي اليها العديد من الشخصيات الأمريكية البارزة، كان منهم الرئيس ريجان والقس سيجوارت والقس فالويل والقس بات روبرتسون، والعديد من أعضاء الكونجرس ودوائر النفوذ المالي والإعلامي والسياسي الأمريكي.

وتأثر بهذا المذهب الرئيس بوش الابن ووزير دفاعه رامسفيلد ووزير العدل أشكروفت،وبات روبرتسون مرشح لرئاسة الولايات المتحدة الامريكية عام1988، الذي يرأس التحالف المسيحي حيث قام أثناء غزو إسرائيل للبنان عام1982 قام روبرتسون بمرافقة القوات المحتلة على متن سيارة عسكرية إسرائيلية، وصرح بأن اليهود والمسيحيين فقط مؤهلين للحكم،وقد وقع عام1997 نداء للمسيحيين لتأييد القدس موحدة، لأن المسيحيين اليهود يعتبرون بأن دولة اسرائيل (هي دولة الرب،ومن يعاديها أنما يعادي الرب)،ويعتبر الانجيلي مايك بينس نائب الرئيس ترامب الممثل الأبرز للمسيحية اليهودية في البيت الابيض وهو المهندس الرئيس لإعلان القدس عاصمة لإسرائيل.

ومن الجدير بالذكر ان مايك بينس قد تحوّل من الكاثوليكية إلى الأصولية ويحضر لقاءات أسبوعية مع احدى المنظمات المتطرفة لدراسة الإنجيل وفق الرؤى التوراتية ويقول عن نفسه انه بدأ إعادة اكتشاف مسيحيته(أي التحول إلى الفكر المسيحي اليهودي) في المرحلة الجامعية من دراسته، وبحلول عام 1995 إلتحق بكنيسة غرايس الإنجيلية.

ومن ثم أخذ يصف نفسه بأنه «بالترتيب: مسيحي، ومحافظ، وجمهوري»، أما عن مسيحيته فهي “مسيحية تجددية كاثوليكية إنجيلية”.وبعد تحوّله الفكري والديني نحو الإنجيلية المسيحية صار من قيادات جماعة «مورال ماجوريتي» (الغالبية الأخلاقية)، وهي حركة وكتلة ضغط دينية و سياسية محافظة أسسها جمهوريون محافظون متشددون مسيحيًا بقيادة القس ” جيري فولويل”، فهل تعرفون من هو فولويل، هو أهم الشخصيات المؤثرة في دائرة المسيحية اليهودية في أمريكا، نال عام 1982 جائزة جابوتنسكي لكونه مدافعا عن القدس ولخدماته لليهود وأهدته الحكومة الاسرائيلية عام1979 طائرة خاصة لتنقلاته ويزور الاراضي المحتلة باستمرار ويحرص دائما على زيارة المواقع العسكرية الاسرائيلية لمباركة ودعم العسكريين اليهود وخاصة على الجبهات، يقول جيري فولويل(أن الحزام الانجيلي في الولايات المتحدة الامريكية هو حزام أمن اسرائيل الأوحد.

وقد نشر فولويل مؤخرا كتابا بعنوان (كشف اللثام عن الإسلام) وصف فيه أشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بأنه رجل عنف وحرب، وليعرف القارئ ماهو أخطر فإننا نشير الى ان اصل اكتشاف امريكا كان بهدف تحرير القدس كما يزعم اليهود المسيحيين فكان إكتشاف أمريكا هو الطريق إلى القدس ومما لايعرفه الكثير يمكن أن تجدوه في كتاب “كريستوفر كولومبوس ونبوءة القدس”، من تأليف كارول ديليني، حيث تقول المؤلفة ان هناك معلومة قلما يعرفها أحد؛وهي أن رحلات كولومبوس ومشروعه كانت لأجل القدس،فقد سجل في يومياته التي سطرها في 26 ديسمبر/كانون الأول 1492 بصراحة متناهية أنه يبحث عن الذهب والتوابل كي يتمكن الملكان فرديناند وإيزابيلا من الاضطلاع بمهمة الخروج لغزو القبر المقدس.

ويتبين أن كولومبوس أراد من رحلته تسيير حملة صليبية لقتال المسلمين الكفرة، ورغبته هذه جزء من سيناريو رؤيوي نسبة إلى سفر رؤيا يوحنا في تفسير أحداث آخر الزمان الذي يؤمن به كولومبوس وكثير من معاصريه مثلما يؤمن به الرؤساء الامريكيين وأتباع الكنائس الانجيلية (المسيحية المتهودة)، وهو مستمد من سفر الرؤيا وملخصه أن تنصير كل البشر، وإحتلال بيت المقدس للمرة الثانية، شرطان ضروريان للمجيء الثاني للمسيح، وكان كولومبوس يستشعر بقوة هذه الواقعة، ويجزم بأن له دوراً ربانياً في هذا الحدث العظيم، ولكولومبوس تراث كبير تمثل في تسعين وثيقة، وأكثر من ثلاثة آلاف تعليق على حواشي كتبه، وأهمها كتابه النبوءات، وهو عبارة عن فقرات ومنقولات مرتبطة بآخر الزمان.

ويتبين من تراثه تردد صدى فكرتين مترابطتين في ما يكتبه، وهما كما سلف: تنصير الشعوب، واستعادة بيت المقدس من خلال بحثه الحثيث عن الذهب لتمويل حملة صليبية، ولذا كتب رسالة للملكين فرديناند وإيزابيلا في الرابع من مارس/آذار 1493، مؤكداً فيها بأنه سيجهز خلال سبعة أعوام خمسة آلاف فارس وخمسين ألف راجل لغزو وانتزاع القدس، وهو الغرض المقصود من رحلته.وفي 19 مايو/أيار 1506، وقبل يوم واحد من وفاة كولومبوس، صادق على وصيته التي حررها في 22 فبراير/شباط 1498، وجددها في 25 أغسطس/آب 1505، ونص فيها على إنشاء صندوق لغرض تحرير القدس، وهذا دليل قاطع على محورية القدس وتحريرها في دوافعه وأعماله.وتشير الكاتبة الى أن كولومبوس يبشر بحملة صليبية مقدسة ذات أهداف إلهية، وأنه الوسيط المصطفى من السماء لتنفيذها وعقيدة الإصطفاء هذه تكررت على أكثر من رئيس أميركي، ويرى كولومبوس نفسه مُبَّشراً به من الرب، وأنه المقصود بالنبوءات في سفري الرؤيا وإشعياء، ويخبر الملكين بأن الرب منحه القدرة على اكتساب المهارات الضرورية لاكتشاف البحر، وهي الفلك والتنجيم والجغرافيا والحساب وقراءة الخرائط، وأن “النار” تسري فيه حينما زارهما لأجل مشروعه، وهي عنده نار مقدسة تربو على معنى الحماسة المجردة.

وبذلك جعل الملكين شريكين متضامنين معه في عمله، وترى المؤلفة في كتاب النبوءات بإعتباره وثيقة تدل على بواعث كولومبوس ودوافعه الدينية التي يستمدها من سفر الرؤيا، وهو الإعتقاد ذاته لدى بعض زعماء أمريكا المسكونين بالفكر القيامي وتخلص المؤلفة إلى أن السيناريو الذي إستثار كولومبوس لم يمت بموته، بل عبر الأطلسي مع التطهيريين الذين أسسوا إنجلترا الجديدة، وسادت أفكارهم في أمريكا حتى سيطرت على الخيال الأميركي، وأسهمت في تكوي رؤية معينة لمكان أمريكا في التاريخ، ولا زالت تلك الاساطير هي التي تحدد سلوك الساسة الأمريكيين وصناع القرار.

أترك تعليق

تعليقات

عن مدونات الصدى