إستقلال تونس “إستقلال مغشوش” بقلم رشيد الترخاني

ينص الفصلُ 13 من الدستور التونسي الجديد الذي تم إقراره من قبل أول مجلس منتخب للتونسيين بشكل حر و نزيه منذ الاستقلال على أن الثروات الطبيعية ملكٌ للشعبِ التونسي و تمارسُ الدولةُ السيادةَ عليها بإسمه و تُعرضُ عقودَ الإستثمار المُتعلّقة بها على اللجنة المُختصّة في مجلسِ نواب الشعب، ثم تقدَّم الإتفاقيات التي تُبرَم في شأنها إلى المجلس للموافقة.

هذا ما نص عليه الدستور أما الواقع فهو خلاف ذلك فلا زالت فرنسا مثلا، تمعن في إستغلالِ الملح التونسي و الإستحواذ على عائداته مقابل إتفاقية تم إمضاؤها قبل حصول تونس على إستقلالها منذ سنة 1949 بمقتضى “عقد الإحتلال” الذّي يمنح شركة كوتوزال حقّ إستغلال الملح التونسي لسنوات طويلة مقابل فرنك واحد للهكتار بينما يصل اليوم السعر العالمي للهكتار الواحد إلى 15 دولارا مع العلم و أن إنتاجُ الملحِ في تونس يتراوح بين 1،5 مليون و مليوني طن سنوياً، يتم تخصيص 100 ألف طن منها للإستهلاك المحلي، بينما يتم تصدير بقيّة الإنتاج إلى الخارج و خاصة نحو النرويج و الدنمارك و إيرلندا.

غير أن حرمان التونسيين من عائِدات ثرواتهم الباطنية و نهب خيراتهم الطبيعية لا يشمل فقط الملح، بل إن ملف الثروات المنجمية و البترولية التي تهيمن عليها الشركات الفرنسية و التي مازالت تنتصب في تونس و تنهب خيرات البلاد مقابل أسعار رمزية، بناء على إتفاقيات تم إمضاؤها إبان الإحتلال المباشر لا زال يثير جدلا واسعا حول آلية إستغلال الثروات الطبيعيّة في تونس من قبل الشركات الأجنبيّة التي طالما نهبت ثروات تونس دون رادع أو رقيب، هذا بالإضافة إلى القروض التي تمنحها فرنسا لتونس كأداة للهيمنة على سيادة الدولة و نهب ثرواتها.

مما يطرح تساؤلات عديدة حول السيادة الوطنية للشعب التونسي و حقه في إستغلال ثرواته الطبيعية، و حتى عن حقيقة الوثيقة الأصلية لإستقلال تونس و حول جملة التفاهمات التي حافظت على الأسس و المرتكزات الأساسية التي بنيت عليها الهيمنة الفرنسية خلال فترة الإحتلال المباشر و ضمنت لها إستمرارية مكانتها السياسية و الإقتصادية المهيمنة على مفاصل الإقتصاد التونسي و على قطاعاته الحيوية في مجال الصناعة و الفلاحة و التجارة الداخلية و الخارجية.

و لعل ما أعلنته هيئة الحقيقة و الكرامة عن إمتلاكها لوثائق تاريخيّة هامّة و من بين ما ورد فيها على سبيل الذكر لا الحصر “إلتزام الدولة التونسيّة بمنح حقّ الأفضليّة للمشاريع الفرنسيّة عند تساوي الشروط للحصول على رُخص التفتيش و الإستثمار و على اللزم و كذلك، عدم قدرة الدولة التونسيّة على تغيير آجال اللزمات و الإتفاقيات و رُخص التفتيش و الإستثمار المبرمة أو الممنوحة إلاّ بموافقة الطرف الفرنسي.

و هو ما يعكس بوضوح تواصل الإتفاقيات المجحفة لمصلحة الشركات الفرنسية على حساب مصالح الدولة التونسية بعد الإستقلال و يمنح فرنسا حق مواصلة نهب الثّروات الطبيعية و ضمان هيمنة شركاتها على الصفقات العمومية و تحكمها في السوق التونسية.

و ما نعيشه اليوم من تدهور إقتصادي هو نتيجة حتمية لجملة الإتفاقات و التفاهمات المهينة التي سبقت الإستقلال أو التي تلته على غرار إتفاق «المشاركة» لسنة 1969 مرورا بإتفاق التعاون المبرم سنة 1976، فإتفاق التبادل الحر للسلع الصناعية الممضى سنة 1995، و الذي أدى إلى مزيد تعميق العجز في الميزان التجاري و ميزان المدفوعات و إرتفاع المديونية التونسية إلى مستويات قياسية، فضلا عن مساهمته في تدمير جزء هام من النسيج الصناعي و الإنتاجي التونسي، و جعل منها دولة متخلفة من الناحيتين الصناعية و التكنولوجية و غير قادرة على تحقيق إستقلالها الإقتصادي و بناء منظومة إنتاجية تخول لها الإستفادة من التبادل الحر على غرار الدول الصناعية الصاعدة.

فهل سيعي الشعب التونسي بكامل مكوناته حقيقة الأوضاع التي تمر بها بلادنا أم سنظل حبيسي أنظمة و دول وظيفية تدين للإستعمار بالتبعية الفكرية و السياسية و الإقتصادية و هدفها الإبقاء و المحافظة على هيمنة المستعمِرين بأساليب ماكرة مستترة تحت شعارات هلامية خادعة ظاهرها خير و باطنها شر.

أترك تعليقا

تعليقات

عن مدونات الصدى