منصات جروزني في مواجهة السعودية / بقلم إحسان الفقيه

لقد يسَّر الله لي أن كنتُ في طليعة من كتبوا في الأسبوع المنصرم عن مؤتمر الشيشان، الذي أثار جدلا واسعا في الأوساط الدينية والسياسية، ركزت فيه على أجندة الوفد المصري الذي يترأسه شيخ الأزهر، وعلى راعي المؤتمر الرئيس الشيشاني الموالي لروسيا رمضان قاديروف، ثم محتوى المؤتمر الذي حصر أهل السنة في الأشاعرة والماتريدية، بينما أقصى غيرهم من الاتجاهات، خاصة علماء السلفية، وعلى رأسهم علماء السعودية، واتحاد علماء المسلمين الذي يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي.

وتناولتُ أهداف المؤتمر المتمثلة في تفكيك مناهج التيار الإسلامي، وتطرقت إلى علاقته بالقتال الدائر في سوريا.

فوجئتُ بعدها بسيل من المتابعات والمقالات والتحليلات المتعلقة بالمؤتمر، الذي أظهر رغبة البعض في تشتيت الجهود وشق الصفوف باستعادة الخلاف المذهبي القديم، الذي وصفه البعض بأنه كان بين الحنابلة والأشاعرة.

هذا التناول الثري أضاف لمعطياتي الكثير، وفجر في ذهني قضايا لها ارتباطات بما كتبت عنه سابقا، خاصة عن العلاقة التنافسية التي تتعامل من خلالها الإمارات مع المملكة العربية السعودية.

الذي يظهر من خلال طبيعة المؤتمر والقائمين عليه وتداعياته كذلك، أنه كان بمثابة منصّات للهجوم على السعودية، وتقويض مكانتها في العالم الإسلامي، وتثبيت اتهامها برعاية التطرف، وهذا ما ترتضيه أطراف عربية وغربية.

النظام المصري أحد المشاركين في هذا الاستهداف، وذلك بعد فتور الدعم السعودي وظهور ميل النظام إلى المحور الإيراني السوري الروسي، فمن ثَم أطلق القوة الناعمة لمؤسسته الدينية لسحب البساط من تحت أقدام السلفية السعودية التي تسمى الوهابية، وإضعاف دور المؤسسة الدينية السعودية، التي ينتمي إليها قطاع عريض من علماء الأمة.

كما أن التحسن النسبي في العلاقات بين السعودية وبين التيار الإسلامي لا يروق للسيسي، الذي سخر كل إمكاناته في الداخل والخارج لمحاربة هذا التيار تحت ذريعة مواجهة الإرهاب.

لكن الإمارات التي يتحكم فيها محمد بن زايد، كانت أشد استهدافا للسعودية عبر منصات جروزني، في إطار علاقتها التنافسية مع السعودية، التي تأخذ في ظاهرها شكلا آخر إيجابيا مبنيا على التعاون والتكامل.

الإمارات رغم مشاركتها للسعودية في العمليات العسكرية ضد الحوثيين الانقلابيين في اليمن، إلا أن الواقع يشير بقوة إلى أن الإمارات تعمل هناك ضد الأهداف السعودية، وسبق أن ذكرت صحيفة فورين أفيرز الأمريكية أن مصر والإمارات وراء تأخر تحرير تعز لرفضهما تسليح المقاومة الشعبية؛ لأن قائدها من الإصلاح الذي ينتمي إلى جماعة الإخوان.

الأمر نفسه أكدته سابقا صحيفة القدس العربي، حيث ذكرت أن سبب توقف آليات الجيش والمقاومة عن تعزيز تعز هو اعتراض إماراتي مدعوم من أمريكا وبريطانيا.

إضافة إلى ذلك، استضافت الإمارات الزعيم الجنوبي سالم البيض الذي يسعى لانفصال اليمن الجنوبي، وذلك في غمرة عمل قوات التحالف على استعادة الشرعية والحفاظ على اليمن موحدة.
الإمارات قد اتضح بما لا يدعم مجالا للشك، ضلوعها في تنظيم هذا المؤتمر الإقصائي التحريضي الذي يوقظ فتنة قديمة في وقت تحتاج فيه الأمة إلى الاصطفاف لمواجهة تحديات ضخمة تأتي على أخضرها ويابسها.

ونستطيع الوصول إلى هذه النتيجة بسهولة، إذا علمنا أن “أبو ظبي” تتبنى وترعى شبكة للتصوف السياسي تضم لفيفا من رموز التصوف، لمناكفة المرجعيات السعودية من خلال جبهة صوفية عالمية، تتفق مع القيم والمصالح الأمريكية والغربية، وتعكس رغبة إماراتية في تشكيل ما يسمى محور اعتدال إسلامي يضم “أبوظبي” و”القاهرة”.

تعمل هذه الشبكة من خلال مؤسسات، أبرزها مؤسسة طابة التي أسسها الحبيب الجفري في أبو ظبي، ومجلس حكماء المسلمين الذي يترأسه شيخ الأزهر أحمد الطيب برعاية إماراتية.

سنتجاوز وسائل الإعلام الإيرانية التي ذكرت أن المؤتمر تم بتمويل إماراتي، لكن ينبغي لنا النظر بعناية إلى ما أشار إليه الكاتب المصري المعروف فهمي هويدي من أن شيخ الأزهر ذهب إلى المؤتمر، ليس بوصفه شيخ الأزهر، إنما بوصفه رئيسا لمجلس حكماء المسلمين الذي ترعاه أبو ظبي، عندئذ لا مناص من الإشارة بأصابع الاتهام إلى الإمارات.

ودخلتُ على حساب تويتر الخاص بـ علي الجفري، فوجدته قد غرد بما يكشف دوره البارز في هذا النشاط، حيث كتب ما نصه: “الخطوة القادمة بعد مؤتمر أهل السنة في الشيشان مؤتمر منطلقات التكفير السبعة التي بُني عليها فكر القطبيين ومن تفرع عنهم من القاعدة وداعش”.

ولسنا في حاجة إلى القول بأن الجفري يتصرف وفقا لإملاءات الشبكة الحاضنة التي ترعاها الإمارات كما ترعاه هو.

واستباقا للتعليقات التي تنتظرني بالقول إنني أهاجم الصوفية، وأنشغل بخلافات مذهبية ومنهجية عن قضايا الأمة العظام، وأكرس لتمزيق الوحدة الإسلامية، أقول: أنا لا أهاجم الصوفية، رغم اختلافي معها، وإنما أهاجم التوظيف السياسي لها، ولا أهاجم المذهب الأشعري، وإنما أهاجم التوظيف السياسي له، وأهاجم محاولة الزج بهذه المذاهب والتوجهات في أتون المعارك السياسية.

الإمارات -بالشراكة مع الأزهر- جعلت من مؤتمر الشيشان منصة لمواجهة الزعامة الدينية للسعودية، وجعلت منه مادة خصبة للإعلاميين الذين يقفون من المملكة موقفا معاديا.

أحد هؤلاء الكتاب المنضوين تحت راية القومية لا تجد له مكانا إلا في الخنادق المقابلة للسعودية، هو ذاته الذي ادعى لدى زيارة محمد بن سلمان لروسيا، أنه تم الاتفاق خلال هذه الزيارة على إدراج الأسد في تحالف لمواجهة عاجلة في سوريا ضد داعش، لتثبت الشهور اللاحقة أن السعودية باقية على التمسك بإقصائه.

هو ذاته رئيس تحرير الصحيفة التي خرجت علينا بمقال لم يستطع إخفاء روح التشفي في السعودية بعد مؤتمر الشيشان، ويعتبِر أن مثل هذا المؤتمر قد جاء نتيجة لدخول السعودية في حروب غير مدروسة، وعن طريق تقديرات خاطئة للموقفين العربي والإقليمي، بحسب المقال الذي صرحت فيه الصحيفة بأنها تعني دون مواربة التدخل السعودي في اليمن وسوريا، وبدرجة أقل في العراق وليبيا وإيران.

إذن، المشكلة الكبرى التي تراها الصحيفة ورئيس تحريرها المرموق أن السعودية أخطأت.

أخطأت حين تدخلت في اليمن لإنقاذ الخليج من المشروع الإيراني، الذي يوظِّف الحوثيين لتنفيذ أجندة طهران الرامية إلى ابتلاع المنطقة، والسيطرة على باب المندب، والقفز على السعودية وجيرانها.

أخطأت حين دعمت الشعب السوري الذي يكافح ضد طاغية العصر الذي أباد شعبه، وحوّل أرضه مسرحا لحرب كونية جديدة.

لكن الكلمة الفاضحة في المقالة، التي عبرت عن توجهات رئيس التحرير ذي الهوى الإيراني، كانت الادعاء بأن المؤتمر كان نتيجة لأخطاء سياسية سعودية، منها أن المملكة تخوض حربا طائفية ضد إيران.

يسمي وقوف السعودية أمام التمدد الإيراني في المنطقة وسعيها لحماية أرضها والخليج العربي حربا طائفية، بينما سلمت منه إيران التي تقف من وراء الأزمات في العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين وغيرها من الدول العربية والإسلامية، لكن ماذا نقول والهوى إيراني؟!

الذي لا أشك فيه، أن العمل على تقويض الدور السعودي في المنطقة سوف يجري على قدم وساق في هذه المرحلة، والأطراف الماثلة في هذا النموذج سوف تكون حاضرة في كل مرة بشكل أو بآخر.

عربي 21

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة