” ملفّ الطاقة في تونس : بين الحقّ و التهديد ” … بقلم المهندس أماني بوزيد

” ملفّ الطاقة في تونس : بين الحقّ و التهديد ” … بقلم المهندس أماني بوزيد 

يُعتبر ملفّ الطاقة في تونس، أحد أهمّ الملفّات التي  شغلت الشارع التونسي منذ الثورة والتي استطاعت أن تجمع حولها ما يمكن أن نسميهم “قوى الثورة” على إختلاف مرجعياتهم  وتصوّراتهم السياسيّة المتعلقة بالملفّ.
حيثُ أنّ الخطوط العريضة للثورة في تونس والتي تمثّلت في ضرورة التحرّر من الإرتهان للدول الإستعمارية الكبرى وضرورة تحسين الوضعيّة المعيشيّة للتونسيين تمرّ ،دون شكّ، من خلال ملفّ الطاقة كأحد الملفّات الحيويّة.
وقد كان الشارع التونسي قد تعرّف واستمع إلى مختلف الأطروحات السياسيّة الثورية المتعلّقة بهذا الملفّ والتي تراوحت بين ضرورة تأميم الثروات وبين ضرورة تعميمها وأيضا بين ضرورة الإبقاء على ذات السياسة الإقتصاديّة المعتمدة سابقا ولكن بعد إصلاحها، ولكلٍّ من هذه المدارس السياسيّة طرحها وتصوّراتها المتعلّقة بكيفية توزيع واستغلال هذه الثروات بعد أن انقشع ،مع الثورة، وهم أنّ تونس بلد فقيرٌ معدوم.

 

ولكن على إختلاف هذه التصوّرات وتعارض مرجعيّاتها في أحيانٍ عدّة، مَثّلَ الإتفاقٌ العامّ على ضرورة فتح وتفعيل هذا الملفّ النقطة المشتركة بين مختلف الأطروحات والمشاريع.

يعدّ هذا الإتّفاق بديهيّا محتوما ،بدايةً،  نظرا لدور وَوزن الموارد الأوّلية والموارد الطاقيّة في معادلة التصنيع عامّةً، وفي عمليّة دفع البلد نحو تأسيس سياسة تصنيع تكون قادرة على إنقاذ الإقتصاد وإيجاد مواطن شغل للآلاف المؤلّفة من المهندسين والتقنيين وغيرهم من أصحاب الشهائد العليا والكفاءات في تونس ولتوفير العملة الصعبة  بعد أن عانت تونس لسنواتٍ طويلة من تبعات التعويل على القطاع السياحيّ الهشّ والمتأثّر دائما بالعوامل الخارجيّة بدلا عن الصناعة والفلاحة.

وثانيا، يعدّ هذا الإتفاق على ضرورة فتح الملفّ ومعالجته أمرًا حتميّا، لكونه أحد الأبواب التي سمحت بتغوّل الإستعمار الإقتصادي الغربي واستمراريّة ذلك  في تونس تحديدا بل لا يمكن الحديث عن تحرّر من الإرتهان الإقتصادي دون غلقه ومحاسبة المتورّطين فيه (وسنأتي فيما يلي على التنويه لبعض تمظهراته، نظرا لضيق المقام) .

 

على نفس الصعيد، يبدو ملفّ الطاقة في تونس، ملفّا على درجة من الأهمية لا فقط بالنسبة للشباب المؤمن بالتغيير ولقوى الثورة، بل لعددٍ من أصحاب القرار ورجال السلطة في فترة ما بعد الثورة، ولكنّه شكلٌ آخر من الأهميّة، لم يلاحظه الشارع التونسي من خلال إعطاء أهميّة للملفّ أو السير نحو  فتحه وحلّه، بل عرف هذا الملفّ عند عدد من أصحاب السلطة شكلا آخر من الإهتمام تمثّل في الإنكار الدائم والمستمرّ ،والأفظع، تمثّل في القمع الأمني الشديد للمتظاهرين صيف 2015  وقمع المحتجيّن في قرقنة صيف2016 وشنّ حملة إعلاميّة مأجورة على حملة المطالبة بفتح الملفّ وتهديد حاملي هذا المطلب وإتهامهم ،كما فعل السبسي وهو رئيس الدولة آن ذاك، في أوّل خطاب له بعد العملية الإرهابية التي ضربت سوسة  صيف2015 ،حيث صرّح مباشرة-كخطوة غريبة ومشبوهة- بوجوب إيجاد حلّ ل”جماعة وينو البترول”. وفي تصريح أخطر، تقدّم به الباجي قائد السبسي وهو لايزال رئيسا للدولة، أمس العاشر من ماي2017، حيثُ هدّد المعتصمين في تطاوين والمطالبين بحقّ البلد من الثروات التي تنهبها الشركات الأجنبية، بأنّه سيكلّف الجيش بحماية منشآت الشركات البتروليّة رافضا الإذعان للمطالب الشعبيّة والسياسيّة المطالِبة بفتح الملفّ ومعالجته .

 

ورغم أنّ ما طفى على السطح من شبهاتٍ وتورّطات تحوم حول هذا الملفّ، تنبؤ بأنّ ما خفي كان أعظم، إلّا أنّ هذا القدر كافٍ ليجعلنا نفهم حجم التورّط الذي قد يطالُ مناصبَ كبيرة في البلد وأسماءً عدّة ويجعلُ الشارع التونسي يفهم ردّة فعل السلطة تجاه هذا الملفّ والمتمثّلة في رفض التعاطي مع الأمر برمّته حيث لم تكتف السلطة  برفض دراسة المسألة جُملة وتفصيلا فقط بل حتّى رفض الحديث عن الملفّ وعن إمكانيّة الأمر وعن تبرير موقفها أو الخوض فيه حتى.

 

لعلّنا نكون واقعيّين حين نقرّ بأنّ واقع هذه التجاوزات لم يتغيّر بعد الثورة بل على العكس، حيثُ أنّ الوعي العام بخطورة الملفّ لم يمنع اللجنة الاستشارية للمحروقات من منح الموافقة ل90 بالمائة من ملفّات البحث والتنقيب والتمديد التي قدّمت إليها منذ الثورة والتي بلغ عددها  156ملف رغم تورّط عدد كبير من الجهات المتقدّمة بهذه الملفّات ، مواصلة بذلك تبييضها للفساد في مجال الطاقة الذي أحالت حوله  لجنة تقصي الحقائق حول الفساد والرشوة  64 ملف على وزارة الصناعة به شبهة فساد، دون أن تتخذ وزارة الصناعة أيّ إجراء في الصدد، بل على العكس، واصلت الوزارة سياستها الفاسدة والمستهترة بحقوق وأرواح التونسيين، متلحّفة بستار الإستبلاه الذي تجلّى واضحا في جلسة الإستماع لوزير الصناعة والطاقة صيف 2015 حين مساءلته عن السياسة التي ستعتمدها تونس تجاه غاز الشيست الخطير(الغاز الصخري) فأعلن أنّ تونس ستواصل قبولها لاستخراج هذا الغاز لأنّ ذلك  سيمنح مهندسي تونس فرصة لتطوير معارفهم!  وقد تترجم هذا الإستبلاه في الصيف الموالي بتمديد لرخصة الشركة الفرنسية لاستخراج غاز الشيست من الجنوب إلى غاية سنة 2035دون أدنى إمتيازات إضافيّة لتونس!
ولم تكتف الوزارة بالإستبلاه اللفظي للتونسيّين  في أكثر من مناسبة والتغافل عن التصريح بفحوى وحثيّات أخطر تمديد رخصة  استغلال حدثت بعد الثورة لصالح بريتش غاز أواخر سنة2014 ،بل إنّ الوزارة لازالت إلى اليوم تتغافل عن نشر القرارات المتعلّقة بالأمر، كما تتغافل الشركة الوطنية للأنشطة البترولية عن تحيين المعلومة في مواقعها الرسمي، البوّابة الوحيدة للمعلومة أمام التونسيين.

جديرٌ بالذكر أن هذا التمديد كان قرارًا سياسيّا مشبوها إتخذه رئيس الحكومة المهدي جمعة، أتى على خلفية إصدار لجنة الطاقة لدراسة الطلب والتي أعلنت خلالها الإخلالات القانونيّة الجسيمة التي تمنع الشركة من تجديد الرخصة إضافة إلى تورّط شركة بريتش غاز في قضية تزوير وفساد متعلّقة  بتحصّلها على رخصة الإستكشاف سنة1988، وإضافة إلى كونها أحد الشركات الأجنبية المتورّطة في التهرّب الضريبي والذي بلغ قدره 673مليون دولار أمريكي إضافة إلى 33مليون دينار تونسي كدَيْن متخلّد بذمّة الشركات النفطيّة الأجنبية لصالح الخزينة التونسيّة بحسب تقرير الهيئات الرقابية، وهو مبلغ يفوق بعشرات المليارات قيمة القروض التي طلبتها تونس من صندوق النقد الدولي والمتسبّبة في رهن البلد و قراره.

في الواقع لم يكتف القائمون على السلطة في تونس بعد الثورة  بالتفريط في ثروات البلد لصالح هذه الشركات الأجنبية، بل يواصلون رهن البلد برمّته لها. حيث أنّ تونس تواصل تغطية النقص في الإنتاج من الغاز (يغطي الإنتاج الذاتي 63%من حاجيات البلد) من خلال شراء ما قيمته 30% من حاجة البلد من الغاز الطبيعي من نفس هذه الشركة التي تمنحها فرصة بيع إنتاج غاز ميسكار التونسي لتونس بالعملة الصعبة! حيث تمنحها حقّ ملكية الحقل بنسبة 100% رغم المتعلّق بذمتها.

تقاريرُ مفزعة وحقائق رهيبة عديدة أخرى  كشفها عددٌ من المختصّين والخبراء الجبائيين والمحامين والسياسيين بعد الثورة حول القطاع ،تجعل من الواجب رفع  قضايا عدّة على درجة من الخطورة ،على ضوء الأدلّة المتوفرة والدراسات المنشورة، في حقّ عدد من أصحاب المناصب في السلطة وعددٍ من أصحاب الشركات ومديري الشركات الوطنية لإستخلاص الحقوق وتجعل من الواجب تقدّم السلطة بمراجعة شاملة لسياستها مع الشركات النفطية ومع القطاع إجمالا لتحرير البلد وأهله.

ولكنّ الشارع التونسي يجدُ أنّ السلطة ذاتها المطالبة والموكول إليها إتخاذ إجراءات سياسيّة عاجلة في الملفّ، هي ذاتُها الطرف الذي يحمي هذه الشركات سياسيّا وقانونيّا ،ويحرّك الأمن والجيش مع كلّ إحتجاجٍ سلمي لحماية الفساد، فيجعلهم كبشَ فداءٍ في مواجهة الشارع الغاضب المطالب بحقّه في ثروات بلده.

الحقيقةُ التي يجب أن نخلُص إليها، أنّ الشركات النفطية الأجنبية  قد  إفتكّت السلطة من أهلها وجعلت وكلاءها رؤساءً للبلد لتستطيع الوصول إلى ثرواته،  ولولا ذلك، ما استطاعت هذه الشركات بسط نفوذها عليه، لهذا ،فالحرب السياسيّة الحقيقة التي نخوضها نحو تحرير البلد وثرواته لا يمكنها إلّا أن تمرّ بإسترجاع السلطة المفتكّة من أهلها ومحاسبة وكلاء “المسؤول الكبير”.

أترك تعليق

تعليقات

عن آماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991 , أصيلة ولاية سوسة , مهندسة إختصاص إعلامية متحصلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية : قوة التفكير , القيادة السياسية , ...