لأوّل مرة في تاريخها: جامعة الزيتونة تردّ على رئيس الدولة في مبادرة الميراث و الزواج بغير المسلم (بقلم سليم الحكيمي)

لأول مرة، منذ نشأتها في 26 أفريل 1956، تصدر الجامعة الزيتونة بيانا يوم 17 أوت 2017، في شان شغل الناس، وتعقد ندوة ترأسها الدكتور هشام قريسة رئيس الجامعة، وهيئة من كبار علمائها، طالبت خلالها الرئيس بحماية الدين وليس التعدي على أحكامه، فضلا عن تعارضها مع الدستور، مذكّرة بتردي مستوى مؤسّسة الإفتاء، في حين أن “الشرع لا يحتاج الى مداراة”.

الردّ حوى جانبا علميا، جَماع القول فيه، أنه ليس من طبيعة المسلم أن يعقّب على حكم الله لأن أوامره إلزامية “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ” والإجتهاد لا يكون في قطعيات النصوص، بل فيما لا نص فيه او نص ظني، فيه إختلاف الدلالة والورود.

وتغيير الواقع لا يستوجب منا تغيير الاحكام، فزواج المسلمة بغير المسلم حكم متاكد ليس فيه نظر، بل تشدد فيه الشرع كثيرا، فضلا على أنه ليس من الثابت أن تغير حكما شرعيا وتترك آخر.

المقصود بالمبادرة آية “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” وليس التسوية بين مطلق الرجال والناس، في حين أن الأنثى هي الاصل في الميراث، ولا يعرف نصيب الرجل الا بعد تحديد نصيبها، واحكام الارث من المحكمات الثابتة كتابا سنة واجماعا، وفرائضه تجلت في اربعة مسائل “يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين” والوصيّة لغة لها صيغة الالزام، “فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما”، دلالة على قطعية الحكم، “تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ الله”، الإستفتاء “ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن” .

نهضت فلسفة أصول فرائض الميراث على نقاط ثلاثة لا علاقة لها بالذكورة أو الأنوثة بل بدرجة القرابة وموقع الجيل الوارث والمسؤولية المالية داخل الاسرة.

و أكدت الجامعة أن انحرافات المجتمع لا يجب ان تحرّف القرآن الذي لا يتحمل وِزْر التغيير القسري لدور المراة في المجتمع، فليس كلما انحرف واقع اجتثثنا من القرآن نصا حتى يتطابق مع واقع تبين فيه ان واجب النفقة محمول على الرجل قانونا، في زوجته ووالديه ايضا ويقضى عليه بالسجن من اجل عدم الانفاق، ولكن المبادرة لا تحوي استعدادا لتغيير قانون النفقة وفرضه على المراة في حال طلبها الطلاق، و من هنا كان لزاما التسوية في جميع الوجوه، ولكن المساواة نفسها قد تكون عين الظلم.

والاسلام ليس في وضع اتهام بل شائه الاعراف والتقاليد الاجتماعية الخاطئة التي تعدت على موازين الارث وغبطت حق المراة التي لم ترغب في استرجاع حقها يوما فيه من خارج قوانين الاسلام الذي لا يمنع أن يحصل مساواة عن تراض بين الاخ واخته ، ولكنه لا يقبل ان تُفرض المساواة على من لا يريدها.

ما أروم قوله، أن موضة تغيير الميراث عنوان “حداثة ” الأنظمة العربية العلمانية، خطب عنه القذافي في مدينة الزاوية سنة 1975، وعبد الناصر في الستينات، وأراد برقيبة ذلك، ولكن تورطه في إفطار رمضان، فاعتبرته جامعة ابن باز في السعودية مرتدا في مراسلة الى الشاذلي القليبي مدير مكتبه آنذاك، مما جعله يتراجع، خطل الراي في المبادرة أن الإرث ليس من امهات قضايا التونسيين ، قال تعالى ” وبئر مُعطّلة وقصر مَشيد”.

وحين تصير مؤسسة افتاء علمية مستقلة الى مؤسسة سياسية، تنجلي رَثاثة المشهد الديني، وما تردت فيه من وهْدة هو صلب جدل رغبة السياسة في تدجين الدين بمؤسساته الرسمية الاربعة، “هيئة الإفتاء” التي طالب بها ابن عاشور سنة 1921 ، ولكنها ظلت نائية عن الناس تلازمت فيها صورة المفتي بالهلال و مدفع رمضان وشوّال.

و”المجلس الاسلامي الأعلى” الذي وقع حلّه منذ سنتين واقالة رئيسه الدكتور “عبد الله الوصيف” من الحبيب الصيد بسبب رسالة وجهها الى مدير الاذاعة انتقد فيها تسخير مرفق وطني لـ”يوسف الصديق “ينشر فيه شاذ الأفكار عن الاسلام، ووزارة الشؤون الدينية، التي إنحصر دورها في الحج والعمرة والائمة تعيينا واقالة، وجامعة الزيتونة التي هُمشت في عهد بورقيبة وقُسّمت في عهد المخلوع، واستحالت فرعا للطلبة الأفارقة.

حاليا، جامعة الزيتونة في منعطف تاريخي، تعيش عودة الروح، إذْ لم تمض وَجيزة على البيان، حتى ارتفع عدد متابعي صفحتها الى عشرات الالاف، فقد صدرت البيانات عن جمعيات أهلية سنة 2011 تطالبها بإصدار مواقف من شؤون فقهية تدارَأَ عنها الناس وحسم الجدل في شأن إختلط فيه الحافي بالمنتعل، و الأغْمار بالعلماء، بينما لازال الإعلام يعامل المؤسسة على أنّها نبْت فَقْع لا جذور لها ولا اغصان، وفي أفضل حال “جامع وليست أول جامعة، تأسست 120هجري، تخرج منها إبن خلدون وابن باديس و 60 عالما من الجزائر.

من عجب الإسلام في تونس، ونكَد السياسة، أنه في شان ديني خالص، دعا الباجي كل الطيف الحزبي والجمعياتي إلى القصر، ولم ينس إلا علماء الزيتونة في اللجنة “الحداثية” المكلفة بالتشريع في المبادرة، فقط لأن الزيتونة أنجبت الفارسين، الشيخ جعيط مفتي الديار التونسية سنة 1960، وإبن عاشور عميد الجامعة الزيتونية، اللذان تقلّدا رأي رفض دعوة بورقيبة لإفطار رمضان في الستينات.

أترك تعليق

تعليقات

عن ليلى العود