في ذكرى غزو العراق عدوان صليبي صفوي جديد وحقائق مغيبة..بقلم عائدة بن عمر

مع سقوط أولى القنابل الليزرية الذكية للطائرات الشبح والمقذوفات الامريكية المسيرة الطوافة (صواريخ كروز) على بغداد صبيحة يوم الخميس 19 مارس من عام 2003 مستهدفة الرئيس صدام حيسين كخطوة أولى في مخطط وعملية واسعة لغزو واحتلال العراق انطلق المخطط الجهنمي الصهيو-صليبي الصفوي الجديد بإعتباره الحلقة الأحدث في المسلسل الطويل والتاريخي للصراع بين الأمة وأعدائها الصليبيين وحلفائهم من الفرس الصفويين وأذناب وعملاء هؤلاء واولئك من كل حدب وصوب. لم تكن عملية الغزو بنت أسبابها الانية والمرحلية المعلنة وغير المعلنة ولم تكن الأهداف الاقتصادية والنفط وامن الكيان الصهيوني هي كل عناصر التحريك خلفها ..
انها جزء من القصة وليست القصة كلها .. فالشواهد والأحداث التي واكبت وأعقبت الإعداد لمخطط الغزو ولتنفيذه أثبتت أن الولايات المتحدة الأمريكية التي أنفقت النفقات وتحملت التكاليف والاعباء والتضحيات قد إختارت ومنذ أمد بعيد (نهاية عقد الثمانينيات في القرن الماضي) المضي في دعم ساسة (عراقيين) وتسليمهم مفاتيح السلطة في العراق وهي تعلم جيدا وبأكثر من أي أحد في الكون حجم ولائهم المطلق والفطري لإيران ولنظامها السياسي الثيوقراطي الديني الطائفي العنصري .. أما الحكايات من قبيل أن التمدد الإيراني قد جاء نتيجة لحيل ومكائد سياسية واستراتيجية إيرانية تمكنت من خلالها من استغفال صانع القرار الأمريكي وهو يعاني لحظة وهن وتورط او كنتيجة لحالة الفراغ الناجمة عن ابتعاد اللاعب العربي عن المشهد برهة عقب الغزو فكلها قصص وضعت وتم اجترارها للتستر على الحقائق الأساسية وللعبث بالوعي حيث يقف خلف فبركتها والترويج لها اكثر من طرف ولأكثر من سبب .. في عام 1989 وعقب خروج العراق منتصرا من حربه مع ايران وظهوره كقوة كبرى لها ثقل في المنطقة ويحسب لها الف حساب وبعد ولوجه بعض المجالات التقنية والصناعية الحساسة بدأت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس جورج بوش الاب تنفيذ مخططها الامبريالي التأمري بالضغط على العراق بأكثر من وسيلة وعبر أكثر من طرف لإحداث تبدلات جوهرية في نظام الحكم وفي التوجهات الاستراتيجية له عبر تحت عناوين تقليدية معروفة كتعزيز الديمقراطية والتعددية والحرية ومن عاش تلك المرحلة وقرأ تفاصيلها جيداً سيعلم حجم الضغوط الاقتصادية والسياسية والإعلامية المنظمة التي بدأت تمارس في تلك الفترة على العراق بهدف إركاعه والتي شاركت فيها أنظمة عربية معروفة (الكويت والامارات والسعودية) وكانت مدخلا لما عرف فيما بعد بقضية الكويت وكيف ان العراق بدأ حينها ومبكراً ولأكثر من سبب البحث في تطوير نظامه السياسي والدستوري والقانوني وإقرار فكرة الانتقال من نظام الحزب القائد الذي تعثر تطبيقه لعدة أسباب وتحول عمليا الى نظام الحزب الواحد ..
الانتقال التدريجي المنضبط الى النظام التعددي وشرع لذلك قانونا في حينها بذلك وعمل على اعداد مشروع دستور دائم ومناقشة أفكاره ومبادئه على اعلى المستويات. المخططات الامريكية مضت في سبيلها وتورط العراق في أزمة الكويت وبدأت الولايات المتحدة ودول المنطقة في إحتضان العناصر العراقية العميلة للنظام الديني الشيعي الامبريالي الصفوي في ايران بشكل صريح وعلني وهكذا هربت العناصر الإرهابية الإيرانية التي اخترقت الأراضي العراقية من الحدود الشرقية بعد الانسحاب السريع المضطرب للجيش العراقي من الأراضي الكويتية وقد تقطعت وسائل اتصالاته واضعفت قدراته على التنقل الامن .. هربت العناصر الإرهابية الإيرانية الى السعودية لتسكن مخيمات لجوء حدودية فيها (مخيمات رفحا) فيما كانت قياداتها السياسية تنتقل من طهران ومن شمال العراق لتجتمع في دمشق وبيروت لتأسيس ما سمي حينها بالمؤتمر الوطني العراقي بقيادة المجرم والعميل المعروف أحمد الجلبي ورهطه القذر. وطيلة عقد من الزمان (1991- 2001) دعمت الولايات هذه الزمر التي انضوى تحت لوائها كل الطيف العميل المدعوم إيرانيا فيما كانت تحصل على الدعم المالي والسياسي أمريكيا وصولا الى اصدار الكونغرس الأمريكي قانون تحرير العراق عام 1998. وحين قررت الولايات المتحدة غزو العراق والانتقال الى مرحلة اعمال أدواتها العسكرية لتنفيذ مخططاتها التأمرية القديمة الجديدة الخاصة بالمنطقة وبالعراق صاحب الموقع الحساس واختيارها تفكيكه وإعادة ربط اجزائه وبنائه كان خيارها الذهاب إلى إيران والاستعانة بها وباتباعها وكان احمد الجلبي أحد قنواتها في هذه الاتصالات حيث ان يطير من الغرب ومن أمريكا ويهبط في طهران وينتقل بمساعدة المخابرات الإيرانية بعد الاتصال بعملائها (العراقيين) هناك لينتقل بعدها الى شمال العراق المحمي بالطيران الأمريكي.
الولايات المتحدة الامريكية رفضت في تلك المرحلة مقترحات رؤساء عرب بدعم انقلاب عسكري داخلي في العراق بديلا عن الاستعانة بعملاء إيران حيث كانت مصر (حسني مبارك) وأردن (الملك عبد الله الثاني) وراء هذه الاقتراحات. الولايات المتحدة وفي فترة التحضير للغزو ناقشت مخططات ما بعد الغزو وأقرت أفكار من قبيل حل الجيش وحل مؤسسات الدولة في الاعلام وفي التصنيع وإطلاق حملة اجتثاث لحزب البعث الذي كان يمثل هيكلية من هياكل الدولة التنظيمية في ظل النظام السياسي الرسمي للعراق في تلك المرحلة ان هذه الشواهد وغيرها تشير وبوضوح وبما لا يدع مجالاً للشك بأن الولايات المتحدة كانت ومنذ البدء ومنذ زمن بعيد جدا متبنية لفكرة التعاون مع السلطات الدينية المجرمة في طهران من أجل تنفيذ مخططاتها في المنطقة وأن الموضوع لم يأتي بشكل عرضي او كنتيجة وكرد فعل على تصرفات معينة لهذا الطرف او ذاك عراقيا أو عربيا ما يحلو للبعض تصوير الامر كذلك بهدف تبرئة الجاني الأمريكي والإيراني والاستهتار بوعي الضحية بتصوير الجاني ساذج وبلا مخططات. من هناك يمكننا ان نفهم جيدا سر الانهيارات الدراماتيكية السريعة في الدفاعات العراقية عند المواجهة مع قوات الولايات المتحدة وعلى خلاف المخططات والحسابات الدقيقة الموضوعة من قبل القيادة لهذه الصفحة الدفاعية في المواجهة والصراع وسر رغبة القيادة العراقية في الاعتماد على العناصر العربية المتطوعة والدور الفاعل لهؤلاء في مرحلة المقاومة وحرب الأنصار عقب دخول القوات الامريكية لبغداد .. فلولا التعاون الإيراني مع الولايات المتحدة المبني على تلاقي المصالح ووحدة الخصم أمامهم (العراق والعرب) وقدرة إيران الفريدة في التأثير على طيف واسع من الجمهور في العراق وفي المنطقة وإمكانياتها الهائلة في اختراق وتوجيه وتشغيل هؤلاء بمختلف مستوياتهم وتوجهاتهم الفكرية والثقافية والاقتصادية .. حيث استطاعت وتستطيع ايران استقطاب العلماني اليساري والليبرالي مستفيدة من كراهيته للدين ولتاريخ الامة والتي ارتبط مجدها برسالتها الدينية بسماتها العربية السنية المعروفة المرفوضة والمزدراة من قبل ايران الشيعية، ومستفيدة أيضا من فكرة التقدمية التي اضفاها الكثيرون على الفكرة الدينية الشيعية في مجالات الجنس والتدخين وضيق الفجوة في الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل في اطار المجتمع والاسرة .. إيران أيضا تمتلك قدرات هائلة معروفة في مجال التأثير على الجمهور الشيعي في المنطقة حيث ارتبط التشيع تاريخيا بإيران بحبل سري من خلال تلاقي ومعاداة الاثنين للدولة العربية الاسلامية وللدور الذي اداه مفكرون وفلاسفة شعوبيون (معادون للأمة) ايرانيو الأصل والانتماء في بناء النظرية الدينية والسياسية للتشيع وتحويل الامر من حب فطري طبيعي وتشيع وتفضيل سياسي لال علي والحسن والحسين أبناء فاطمة بنت رسول الله ولفئة معينة منهم وخلافات طبيعية محدودة ناجمة في هذا الاطار الى نظرية متكاملة منحرفة معادية للأمة والى اختراع وفبركة ميثولوجيا وقصص واساطير واحاديث خرافية لدعم ذلك. لقد وقعت اختراقات وخيانات عديدة وغريبة ومثيرة أدت الى سرعة تمكن الأعداء من دخول بغداد والى استطالة ذراع ايران في المنطقة وفي العالم ويتجسد ذلك جليا في عجز نخبنا وبعد مرور اكثر من عقد ونيف من السنين على الغزو ولما يتبلور بعد حتى ولو دراسة تاريخية مفصلة وتحليل دقيق رسمي موثق لما جرى وتشخيص لمكامن الخلل والتقصير والاختراق فيه .. لقد تعودنا ان تصدر الدول كتابا ابيض لها نشر فيه التفاصيل والحقائق التي لم يكن متاحا الحديث عنها في وقت وقوعها او في المرحلة التالية لذلك مباشرة حيث يعتبر توثيق مثل ذه الذكريات والتفاصيل التاريخية الحساسة واجب ومسؤولية الى جانب فوائده الجمة والدروس والخبرات المستقاة منه. لذلك ونحن نستذكر اليوم هذه الحدث المؤلم والأمة تواجه على ارض العراق وسوريا واليمن اعدائنا المتحالفين كجبهة وصف متأزر موحد انضم اليه الخونة من كل الاشكال والصنوف فإننا لابد وان نستشعر عظم هذه المواجهة التاريخية التي كان وسيبقى ذخيرتنا فيها الجهاديون الصادقون الصابرون.

أترك تعليق

تعليقات

عن مدونات الصدى