غرفة “بن زايد/ دحلان” في محاولة جديدة لها تستعمل ورقة بن علي لإسقاط الثورة التونسية، بقلم نصر الدين السويلمي

تعرضت ثورة الحرية الكرامة في نسختها الأصلية الى محن متعددة، أضعفتها لكنها لم تسقطها، ونجحت تونس في امتصاص جميع المؤامرات التي حيكت في اغلبها انطلاقا من الإمارات العربية المتحدة، أين باءت كل محاولات محمد بن زايد بالفشل، خاصة تلك التي طالب فيها المملكة العربية السعودية بتحرير الرئيس التونسي من الحضر السياسي الذي فرضته عليه حين قررت استقباله مساء 14 جانفي 2011، إثر فراره من تونس عشية ثورة شعبية عارمة اجتاحت جميع مدن البلاد وقراها.

وقد فشلت تلك المحاولات التي أشرفت عليها غرفة عمليات خاصة بعثها محمد بن زايد و اسند قيادتها الى محمد دحلان، وتهدف لاستعمال زين العابدين بن علي كورقة لضرب الثورة التونسية اثر تشكيل الائتلاف الحاكم وبعد ان دخلت حركة نداء تونس الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية في تحالف مع حزب حركة النهضة صاحب المركز الثاني وبالتالي فشل الخطة الإماراتية في إسقاط النهضة من الحكم بشكل نهائي تمهيدا الى سحب الرخصة وما يتبعها من محاكمات على غرار ما وقع في مصر ومن ثم إيقاف المسار الانتخابي وشيطنة ثورة 17 ديسمبر، محاولات بذلت مع الملك سلمان ثم مع محمد ابنه سعت الى السماح للرئيس المخلوع بممارسة العمل السياسي وبالتالي حرية التصريح لوسائل الإعلام وغير ذلك من النشاطات، لكن المملكة ظلت رافضة للفكرة وأقنعت الشريك الإماراتي بعدم جدواها او صعوبة تنفيذها ما دفعه الى مواصلة العمل مع القيادي المنشق عن حزب النداء محسن مرزوق، والذي تلقى الدعم الكبير من حكام أبو ظبي للاستحواذ على حزب النداء ومنه الى تنفيذ انقلاب ابيض على الرئيس المتقدم في السن بتعلة عجزه عن مواصلة مهامه على رأس الدولة.

بعد أن فشلت تلك المحاولات التي انطلقت بداية 2015 الى منتصف 2016، والتي تناولها الكاتب قبل سنتين في مقال مطول وارفق في ذلك تدوينات لنشطاء من الامارات جاء في احداها “السبسي 89 بن علي 79، بن علي في جعبته 10 سنوات أخرى مع الخبرة وااااو” كانت تلك تدوينة ضمن بعض التدوينات التي اشارات الى مجهودات تبذل في محاولة للرهان على بن علي واعادته الى المشهد بعد ان تعثرت المفاوضات مع السبسي ثم بعد ان اختار هذا الاخير الانحياز للمقاربة الفرنسية المسنودة من الجزائر، بعد كل ذلك عاد هذه الأيام محمد بن زايد الى طرح الأمر مرة أخرى على ولي العهد محمد بن سلمان، ويبدو ان الاتفاق تم بين مختلف الأطراف، والذي يقضي بإيجاد المسوغات الكفيلة برفع الحرج عن تحركات الرئيس التونسي المخلوع من والى ابو ظبي لمباشرة مهامه الجديدة.

ويبدو أن الخطة انطلقت بشكل فعلي حين اختارت الغرفة تدشين الدور الجديد لبن علي بشكل ذكي يعتمد التدرج والمرحلية، لذلك استغلت او افتعلت مناسبة الخطوبة “خطوبة إبنته” كمصافحة اولى قد تكون فسيلة لمحاولة انقلابية جديدة، ومن المرجح ان يتنقل بن علي وفق الخطة بين المملكة مقره الرسمي والامارات تحت تعلة زيارة ابنته التي من المتوقع ان تستقر مع زوجها في دبي، ما يرفع الحرج عن السعودية ويسهل التواصل مع غرفة العمليات المنتصبة في ابو ظبي، التي ستسعى الى سحب الملف التونسي من باريس اضافة الى اصرارها على تقليم الدور الجزائري الذي رفض الانخراط في خطة اجتثاث الحركات الاسلامية من المنطقة، وستدخل بثقلها لتنزيل الخطة الجديدة تجنبا للفشل الذي بات يرافق عملياتها في تونس، خاصة بعد ان مني محمد بن زايد وفريقه بانتكاسات متتابعة في مهد الربيع العربي وبوصلته التي ضخ فيها مليارات الدولارات لتأثيث عملية الانقلاب على المسار الديمقراطي، مليارات تبخرت بحكم فطنة التونسيين ووعي جانب من طبقتها السياسية ثم وبحكم الحياد الاحترافي الذي تبنته المؤسسة العسكرية منذ أعطى محمد البوعزيزي إشارة الإنطلاق لمرحلة ما بعد الدكتاتورية.

راهنت الإمارات على محسن مرزوق في اعادة تجربة جبهة الانقاذ ومن ثم قيادة الساحة التونسية نحو تصفية الثورة بتمويل واشراف من ابو ظبي، فكان الفشل حليف مرزوق وكانت الخيبة الكبرى من نصيب ابو ظبي، ثم خففت غرفة محمد بن زايد من طموحها وانتقلت الى الخطة “ب” والتي تقضي بهيمنة مرزوق على حزب النداء دون جبهة الانقاذ ليتسنى معالجة ملف قرطاج، لكن ولأسباب عدة ومرة اخرى فشلت الخطة، وتبين ان مرزوق اضعف بكثير من رهانات متشعبة تستهدف شعب تونس الذي يأبى القبول بهزيمة النفط بعد ان انتصر بالدم ! يأبى هذا الشعب مقايضة بترول بن زايد بدماء شهداء سبعطاش اربعطاش، فشلْ مرزوق في تجييش اليسار والاتحاد والنخب على غرار “سبسي 2012” ثم فشله في الاستحاوذ على النداء دفع غرفة محمد بن زايد تحت قيادة العقيد محمد دحلان الى السعي من جديد لاختراق الجبهة التونسية بعد ان اخترقت جميع الجبهات الأخرى، من اليمن الى مصر ومن ليبيا الى سوريا، وفي سبيل ذلك قامت القيادة الاماراتية بإحياء الفكرة القديمة الجديدة، واستقرت على الاستعانة ببن علي، لاعتقادها ان الساحة تعيش حالة فراغ واحباط وريبة لذلك يمكن اختراقها بسهولة ومن السهل أن يهضم المجتمع عودة بن علي ويلتف حوله تحت دافع الياس مثلما التفت حول أزلامه بنفس الدوافع التي غذاها الإعلام والإضرابات والقلاقل، تلك أمنية أبو ظبي التي ترغب في ترجمتها إلى الواقع.

بلفيف من السياسيين والأحزاب ورجال المال والإعلام، تمكنت أبو ظبي من انهاك التجربة وأثخانها، الا انها وقفت عاجزة امام نسيج تونسي تميز منذ الثورة بخاصية السهل الممتنع، ورغم كل ذلك الحشد المالي واللوجستي لم يتسنى الإجهاز على ثورة السابع عشر من ديسمبر 2010، وها هي الغرفة الماكرة تحاول اليوم الاستعانة بخبرات الرئيس المخلوع بعد ان فشل أزلامه كما فشلت القوى الاستئصالية في تركيع إرادة شعب يقاتل من اجل تجنب الانتكاسة، شعب يستميت في معركة الكرامة حتى لا يعود الى مربع ما قبل ثورة الشرف.

ستحاول الغرافة الماكرة لعب ورقة المخلوع، وسنشهد في الاسابيع او الاشهر القادمة اول عملية سبر آراء حول نسبة “التونسيون الذين يقبلون بان يلعب بن علي دورا مـــا في البلاد”، ومن الصعب ان تسند هذه المهمة الى مؤسسات تونسية، والغالب ان ابو ظبي ستطلب من الاخطبوط العملاق “مجموعة كامستول” الامريكية اختيار مؤسسة تشرف على عملية سبر آراء تقدم الارقام التي تحتاجها للمهمة، رغم كل ذلك ولأن الحالة التونسية استثنائية ليس من السهل على ابو ظبي تأهيل بن علي الى هذه المهمة، وان نجحت واهلته، فهي تعلم ان تونس “لحمها مر” وانه يتعين على العصابة اولا تعبيد الطريق أما الفريق خليفة حفتر حتى يجتاح خصومه وصولا الى راس الجدير ليكون أحد أطراف المعركة مع ثورة الربيع العربي الام، ثم عليها ان تقنع الجار الجزائري “ناشف الراس” بان الانضواء تحت امرة محمد بن زايد يندرج ضمن اهداف ثور المليون ونصف المليون شهيد، وان الولاء لدحلان وعيال زايد سينزل سكينة في تربة عميروش وديدوش وبن مهيدي، وسيدفع قبائل لالة فاطمة نسومر الى النزول من صياصيهم للاحتفال بهيمنة غلام ابو ظبي على تونس واستعداده الى عبور أم الطبول.

لن يعبر بن زايد أم الطبول، ولن يتجاوز راس الجدير ولن يقترب من مياهها الإقليمية، أَيْ نعم، ستدق الطبول يا ابن زايد ! لكنها طبول الفرح بدحركم، ستتكسر الخطة الاقليمية الرهيبة على أسوار تونس العصيّة.

أترك تعليق

تعليقات

عن مدونات الصدى