على هامش انطلاق الحوار المجتمعي حول شؤون الشباب وقضاياه ( بقلم ليلى العود )

كنت ولا زلت من الداعين إلى الاهتمام بقضايا الشباب بإقامة فضاءات حوار معهم للوقوف على مشاكلهم الحقيقية والإسراع بالحلول لها .

وأذكر أني كتبت مقالا بتاريخ 17 جانفي 2008 في مجلة ” شمس الجنوب ” الصادرة  في ولاية صفاقس تحت عنوان ” سلوك التلاميذ …الساعات الجوفاء…العنف اللفظي وأشياء أخرى ” تكلمت فيه عن السلبيات التي نلاحظها في تصرفات أبنائنا التلاميذ والشباب بصفة عامة ودعوت في مقالي إلى ضرورة إقامة منابر للحوار بين النخبة المثقفة والشباب عوض الاكتفاء بأنشطة ثقافية محصورة في الفن والرياضة والتعبير الجسماني ولا تلامس قضايا الشباب لا من قريب ولا من بعيد.
فجاء في مقالي آنذاك : ” فأبناؤنا اليوم في حاجة إلى التعبير بألسنتهم لاكتشاف ذواتهم وليوصلوا ما يريدون إيصاله ..لذلك علينا تخصيص منابر للحوار بين النخبة المثقفة والشباب ..وتكون مواضيع الحوارات مساهمة في تكوين الشباب تكوينا شاملا وعلى كل المستويات : الديني ,الأدبي ,الفني, العلمي ..الخ…..وعلى المثقفين أن يشعروا بمسؤوليتهم التاريخية نحو هذا الجيل ويبادروا بخلق الفرص لاحتضان الشباب ويكون ذلك بالتنسيق مع المؤسسات التربوية لتوحيد الأهداف وتكامل الأدوار حتى لا يبقى أبناؤنا مذبذبين بين ما يتلقونه من الأسرة والمؤسسة التربوية ووسائل الإعلام المائعة ومن أنشطة ثقافية لا تثبت ثقافة عالية مما يخلق في أنفسهم حيرة تدفعهم في النهاية إلى الارتماء في أحضان عصابات المخدرات أو الانتحار أو في أحضان أي جهة توظفهم حسب أجندتها وأهدافها .
وكم كانت فرحتي كبرى لما أعلن بعد مقالي هذا انطلاق الحوار الشامل مع الشباب في شهر مارس 2008 ودعا المخلوع زين العابدين بن علي شباب تونس إلى استغلال كل الفضاءات للتعبير عن مشاغلهم بما فيها الانترنات قائلا لهم في ذلك ” ندعوكم إلى الحوار … الحوار الذي خصصناه لكم سنة 2008 … حوار جميع الشباب فتيانا وفتيات دون سن الثلاثين في كل المدن والأرياف من كل المشارب سواء شباب الأحزاب أو الجمعيات أو الشباب غير المهيكل في تنظيمات المجتمع المدني حوار على شبكة الانترنات وفي مختلف الفضاءات بكل أنحاء البلاد وفي وسائل الإعلام.”
وأضاف المخلوع بن علي : ” إن الإجراءات الأولى التي اتخذتها كانت لفائدة الشباب والسياسات الكبرى التي اتبعتها على مدى عقدين هدفها الأول فتح الآفاق أمام الشباب وإعداده لمستقبل يتغير. إني أريد منكم بهذا الحوار أن تصوغوا “رؤية” وأن تعلنوا “التزاما” تحددون من خلالهما القيم والمبادئ الكبرى التي ترونها للعمل الوطني ولملامح تونس المستقبل تونس الراسخة في هويتها تونس الحداثة تونس الاعتدال تونس الطموح تونس التحدي… تونس التي ترفض التطرف والتعصب والإرهاب.”
قلت فرحت بانطلاق حوار الشباب سنة 2008  لكن بما أنني لا أخير الأحكام المسبقة قلت لأخمد إحساسي الطاغي على فكري أن المخلوع بن علي لا يريد حوارا حقيقيا للشباب بل يريد جرهم إلى حوار يفرض عليهم سياسته وأجندته فقط وهي أجندة تكرس الحياة العبثية والميوعة عند الشباب ومزيد فسخ هويتهم الإسلامية وما استقبال زوجته ليلى الطرابلسي نجوم ستار أكاديمي في مطار قرطاج بالورود إلا سعيا منها ومن نظام المخلوع أن يكون هؤلاء الذين يطلق عليهم نجوم هم قدوة الشباب فقط .
.وبالرغم من إحساسي بعبثية هذه الحوارات وعدم تطرقها لمشاغل الشباب الحقيقية قررت في تلك السنة متابعتها لأصدر حكمي النهائي على محتواها ومواضيعها وهل تصب في طرح قضايا الشباب الحقيقية أم تكتفي بتلك الشعارات عن نبذ العنف والتطرف والاعتدال وغيرها من الشعارات التي قد تصب عند هذا أو ذاك في أهداف ومفاهيم متعددة .
ولا أدعي أني تابعت كل الحوارات بل اكتفيت بالاستماع ومشاهدة بعضها في الاذاعات وفي قناتي حنبعل ” و قناة 21″ آنذاك ….و بالفعل كان القائمون على هذه الحوارات يوجهونها – كما توقعت – نحو فكرة محددة وهي محاربة التطرف – دون تحديد مفهومه – ومحاربة اللباس الدخيل علينا والبعيد عن هويتنا حسب تعبيرهم …إلا أن الشباب الحاضر لم يكن يتفاعل مع هذه المواضيع وأشعر أنهم ينتظرون  إثارة مشاكل الشباب الحقيقية …و قد تهرب بعضهم من الإجابة عن أسئلة منشطة لمنبر حوار حول اللباس الدخيل في تونس ربما رغبة منهم في عدم إحراجها لأنها كانت ترتدي لباسا تمثل في قميص كتب بلغة أجنبية وسروالا ضيقا لا يدل على عروبة التونسي وهويته وهي التي كانت تتحدث في موضوع الحوار عن الألبسة الدخيلة الواردة علينا من وراء الحدود ووجب محاربتها وتقصد بذلك طبعا الحجاب الذي انتشر في تونس في تلك السنة .
وبعد متابعتي لبعض منابر هذا الحوار وبعد الاطلاع على ميثاق الشباب في ذلك العهد كتبت مقالا بتاريخ 4 ديسمبر 2008 انتقدت فيه هذه البادرة التي لم يسمح للشباب أن يتطرق فيها  لقضاياه الحقيقية خاصة وقد اقتصرت على مشاركة شباب حزب التجمع وغيره من أحزاب المعارضة الكرتونية.
هذا ولم يبق أمام شباب تونس بعد الحوار الفاشل – وليس الشامل – كما سماه المخلوع بن علي إلا التجمع عبر فضاء الفيس بوك سنة 2009 لينطلق فيه نضالهم الحقيقي وليعبروا بكامل الحرية وهو ما أزعج المخلوع المتشدق بحرية الشباب وإقامة منابر حوار لهم
واكتشفنا أن هذا المخلوع بن علي الذي أوصى الشباب باستغلال كل الفضاءات للتعبير عن مشاغلهم أصبح يغلق الصفحات العامة والحسابات الخاصة لشباب تونس الذين بدأوا بالفعل يخوضون في مشاكلهم وقضايا الوطن الحقيقية والمصيرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لنكتشف في الأخير أنه عدو للكلمة الحرة وعدو للشباب ولكل الشعب التونسي .
واليوم وبعد مرور 8 سنوات على مهزلة ” الحوار الشامل مع الشباب ” في عهد المخلوع وبعد إعطاء إشارة انطلاق الحوار المجتمعي حول شؤون الشباب وقضاياه تحت إشراف رئيس الحكومة يوسف الشاهد ووزيرة شؤون الشباب والرياضة ما جدولين الشارني عشية الشبت 01 أكتوبر 2016 هل نترقب حوارا حقيقيا للشباب أم ستعود ” حليمة لعادتها القديمة ” وهو إلهاء الشباب وإبعاده عن قضاياه ومشاكله الحقيقية ومزيد إغراقه في الحياة العبثية بحجة الخوف من التطرف والتعصب والإرهاب ؟
والجواب على ذلك أنه عندما تخوف المخلوع زين العابدين  بن علي من ارتماء الشباب في خندق التطرف والتعصب وجرهم إلى حوارات عبثية لإلهائهم ماذا كانت النتيجة غير وجود الآلاف من الشباب الذي تربى مع نظامه في بؤر التوتر مثل سوريا والعراق وليبيا ؟ ..
لذلك ليس على القائمين والمشرفين اليوم على الحوار المجتمعي حول شؤون الشباب وقضاياه الذي انطلق أمس السبت 01 أكتوبر 2016 إلا طرح مشاكل الشباب الحقيقية و مشاكل الوطن المصيرية و معالجتها العلاج الجذري إلى أن ترسو بنا السفينة ولنا جيل بعيد عن التبعية المذلة للغرب و معتز بهويته الإسلامية العربية من جهة ومستنبط لعلوم عصره من جهة أخرى
ختاما …
أقول في نهاية مقالي أني استبشر بكل حوار مع كل شباب تونس بكل طوائفه وفئاته -( وليس بالحوارات الحكر على الشباب الموالي لأي نظام خاصة الانظمة العلمانية ) – ولا أرغب بالقول أني أشعر أن الحوار الحالي سيكون عبثيا كحوارات عهد المخلوع بن علي خاصة و أن الاعتقالات مازالت متواصلة في صفوف المدونين الشبان هذه الأيام وبعد ثورة خلنا أن مكسبها الأول إلى حد الآن هو حرية التعبير…
ومن يحاول الآن إلهاء الشباب بهذه الحوارات العبثية فليتعظ بنهاية المخلوع زين العابدين بن علي الذي كرر أنه يراهن على المرأة والشباب ليتضح لنا أن رهانه كان لإسقاط هاتين الفئتين وإجبارهما على التبعية المذلة لنظامه فكان العقاب من جنس نواياه و كان سقوطه على يد من راهن عليهم ..”امرأة صفعت شابا فأحرق نفسه” ليفر كالجبان من الوطن…
وهكذا ستكون الأمور بنهاياتها مع كل نظام مخادع لشعبه.
ليلى العود

أترك تعليق

تعليقات

عن ليلى العود