ضرورات الدولة التركية و خيارات الشعوب العربية بقلم عائدة بن عمر

إذا نظرنا لأسباب تفكّك الدولة العثمانية نجد العديد من المؤامرات التي حيكت، ثم تفشي الظلم والفساد وعدم تثبيت وتطوير نظام إداري قوي يمتاز بالمرونة المطلوبة يجمع الأجزاء القابلة للوحدة مع احتفاظ كل جزء بخصوصيته. كل ذلك كان من أهم أسباب تفتّت آخر خلافة ،ووقوع كثير من بلدانها في براثن الاستعمار الأوربي، الذي لم يخرج -إلا شكلا- و كاد يطمس معالم هوياتها بعدما مزقها كل ممزق، مما جعل العودة نحو النظام الجامع حلما يراود كل النفوس الأبية الرافضة للهيمنة الأوروبية. لكن القطيعة التي حصلت بين الأتراك والقوميات الإسلامية الأخرى، العربية منها والكردية والقفقازية، عمّقت الشرخ وجعلت حلم الوحدة بل وحتى التقارب الثقافي أكثر تعقيدا. فما هي العوائق التي ما زالت تحول دون التقارب والتنسيق الكامل بين تركيا وشعوب العالم الإسلامي عموما والعربي تحديدا؟ العوائق والحلول ولعلنا نوجز في النقاط التالية أهم العوائق مع الإشارة لتوجيهات في طريق الحل إن شاء الله.

1- إن الهوية الممسوخة المرتكزة على المعطيات الاستعمارية هي من أهم العوائق في خلق حالة عدم التعاون المباشر بين تركيا كدولة والشعوب العربية، وإعادة رسمها يعد أولوية قصوى لنجاح أي تقارب يرجى.

2- الدول المحتلة ظلت أكثر من قرنين تدمغ الشعوب العربية بقوانينها ومبادئها لكنها حافظت على أغلب هويتها، في حين نجد تركيا حافظت على جانب كبير من الإرث العثماني في تسيير الحكم رغم علمنتها، خاصة في مجال الوقف وبعض التشريعات مما بقي من الدستور العثماني. ولابد من إيجاد آليات مدروسة بدقة تحقق التكيف والاستفادة المطلوبة لدى الشعوب العربية مع المنتوج التركي سياسيا اقتصاديا وثقافيا.. مقابل استفادة الأتراك مما يحمل العرب من إرث حضارتهما المشتركة. وعقولهم المنتجة.

3- إن حالة السكون والركود التي تعيشها كثير من شعوب العالم الإسلامي غالبا ما تنتج التفكك والتمزق والإغراق في جلد الذات.

4- هناك حالة تكاد تكون مشابهة أحيانا عندما نرى المعوقات التي يطرحها الأوربيون حيال انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي تكاد تكون في أكثرها نفس المعوقات التي يطرحها بعض الأتراك حيال التقارب العربي التركي، والتوجّه الكلي للأتراك غربا جعلهم يقلّلون من أهمية عمقهم الاستراتيجي شرقا وخاصة مع الشعوب العربية.

5- انغلاق الذهنية التركية لا زال ينعكس على سلوك النخب التي وصلت للحكم،حيث تعتبر النظرة الفوقية والإنتقائية المصلحية بغض النظر ان كانت مبررة كثيرا ما تصحبها آفات سلوكية تنعكس بالضرورة على نفسية المسلم الغير التركي وليس يخفى الاثر السلبي لنظرية أن العالم يتكون من الاتراك والباقي.لا شك ان جهودا معتبرة تبذلها الادارة الحاكمة لكن يتبخر جلها واقعا امام هذه الذهنية .

6- على مستوى الذاكرة الشعبية بين الأتراك والعرب، هناك أخطاء تاريخية شائعة ما زالت مؤثرة على الردات السلوكية للكثير من الأفراد من الطرفين، ولابد من بذل جهد أكاديمي ليس بالهين يُعنى بنسف كل ذلك ونشره على أوسع نطاق وفي كل مناسبة.

7- لعل قوة الاتصال العربي التركي – نتيجة الأزمات- كانت بنفس عنف وشدة وطول القطيعة بينهما، وهذا عكس صعوبة التكيف المتبادل وعدم إيجاد سبل التقارب والتكامل رغم توفرها ووفرتها.

8- إن التقارب بين الدولة التركية والشعوب العربية يضع الطرفين أمام حقيقة تحمّل أعباء هذا التقارب وقيوده، والخطر يكمن في عدم التنبه لدرجات تحمّلها، تجنّبا لوقوع أي طرف تحت الضغط الزائد فيكون الإخفاق والفشل مما يؤدي إلى نتائج عكسية.

9- لابد من إيجاد دراسات تفصيلية وورشات تجريبية لضبط أي تقارب وانجاحه.

10- ضعف اللغة وعدم تكيّف قوانين الإدارة التركية تجاه الجاليات العربية واللاجئين منهم مع حالهم، قلّل جدا من الاستفادة المرجوة من استيعاب واحتواء الجالية العربية وامتداداتها في أقطارها الأصلية.

11-لا شك أن الانقلاب الحَرفي في تركيا أحدث شرخا كبيرا بينها وباقي العرب والدول الإسلامية التي حافظت على الحرف العربي، فكما نطالب الأتراك بتعلم العربية لغة دينهم، فبالمقابل تقع المسؤولية بصفة أكبر على العرب في تعلم التركية لنقل الجزء الخطير من الثقافة المغيبة والذاكرة المفقودة.

12- هناك معوقات بيوقراطية راسخة تعاني منها تركيا في نهضتها، والجالية العربية أيضا تعاني من ذلك، لكن الأخطر أنها تؤثر على تسريع وتكثيف الجهود لمد الجسور المطلوبة لتحقيق الاتصال والترابط مع الشعوب العربية، هناك تشريعات وتقنينات صدرت جد مشجعة لكن الرواسب البيوقراطية تبقى عائقا خطيرا.

13- تقصير الجماعات والمؤسسات والهيئات الإسلامية في السعى إلى بلورة بعض الأطر المحفزة للتقارب، كتفعيل دور الجالية العربية بشكل منظم وتدوير رؤوس أموالها في السوق التركية وهذا الأمر ليس بالمستحيل إذا أدركنا أهميته، وفرّغنا له الكفاءات والطاقات المطلوبة.

14- إن التقصير في الدفاع عن القضايا المشتركة ضرب الطرفين، لماذا مثلا في قضية الأرمن تجد تركيا نفسها شبه وحيدة في الدفاع عن اتهامها بالمجازر الأرمينية؟ فلو خرجت مثلا دراسات أكاديمية من 22 بلدا عربيا وشخصيات مستقلة لإغراق المراكز البحثية الغربية بها، لكان ذلك مكسبا لا يقدر بثمن. ومن جهة الأتراك لو حققوا سبيلا ميّسرا للأرشيف العثماني وشجعوا ترجمته للعربية لوجد المشارقة والمغاربة أصولا توحدهم وحقائق تكشف تضليل وجرائم الدول التي احتلتهم. -ولماذا نرى الاتراك ينتهجون السلوك التبريري المفرط للتضحية بمصالح الشعوب الثائرة مقابل أدنى تهديد لمصالحهم الخاصة ؟؟ لا شك أن العودة للعمق الحضاري والبناء عليه لرسم الاستراتيجيات المستقبلية ستخفف الكثير من هذه الإشكالية الخطيرة

15- يجب استثمار الاتفاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الموقعة بين الأتراك والدول العربية والاستفادة منها لخلق تكتلات سياسية اقتصادية ثقافية قراراتها مستقلة لحد كبير عن العلاقات التقليدية بين الدولتين فتكون بذلك صانعة ومؤثرة في القرارات أكثر منها تابعة. 15- يمكن صناعة أوراق ضغط خارج اتفاقات الدول.

مثلا في قضية الأرمن تجد تركيا نفسها شبه وحيدة في الدفاع عن اتهامها بالمجازر الأرمينية؟ فلو خرجت مثلا دراسات أكاديمية من 22 بلدا عربيا وشخصيات مستقلة لإغراق المراكز البحثية الغربية بها، لكان ذلك مكسبا لا يقدر بثمن. ومن جهة الأتراك لو حققوا سبيلا ميّسرا للأرشيف العثماني وشجعوا ترجمته للعربية لوجد المشارقة والمغاربة أصولا توحدهم وحقائق تكشف تضليل وجرائم الدول التي احتلتهم.

-ولماذا نرى الاتراك ينتهجون السلوك التبريري المفرط للتضحية بمصالح الشعوب الثائرة مقابل أدنى تهديد لمصالحهم الخاصة ؟؟ لا شك أن العودة للعمق الحضاري والبناء عليه لرسم الاستراتيجيات المستقبلية ستخفف الكثير من هذه الإشكالية الخطيرة

16- يجب استثمار الاتفاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الموقعة بين الأتراك والدول العربية والاستفادة منها لخلق تكتلات سياسية اقتصادية ثقافية قراراتها مستقلة لحد كبير عن العلاقات التقليدية بين الدولتين فتكون بذلك صانعة ومؤثرة في القرارات أكثر منها تابعة.

17- يمكن صناعة أوراق ضغط خارج اتفاقات الدول التقليدية والمكبلة، فالشعوب تملك أدوات ذلك، فهي تمتلك رؤوس الأموال الحرة، وتمتلك العقول المستقلة وتتوفر على يد عاملة ذات خبرة وجهد. 16- وأخيرا، هناك الثقافة السياحية، فهي محدودة السقف للغاية ومادية وغير مقرونة بالتوجيه نحو الجذر والعمق الحضاري، كما أن السياحة البينية لا تُعنى برؤوس الفكر والتاريخ كما تعنى برؤوس الأموال مع أن اقترانهما والاستثمار فيهما له أثراستراتيجي كبير على المستوى الجيوثقافي. ختاما لاشك أن هناك معوقات متعددة وراسخة، وفي كل الأحوال ستكون ثمة مثبطات ،نأمل جميعا أن يسهم العقل المسلم في إيجاد الحلول لتجاوزها والتعاطي معها بما يكفل تحقيق جزء من تطلعات الشعوب الإسلامية.

أترك تعليق

تعليقات

عن مدونات الصدى