صفاقس عاصمة للثّقافة العربيّة ،،، و تلك كذبة أخرى ( بقلم منجي بـــــــــاكير )

لم يشفع لصفاقس ، مدينة المليون ساكن ، ثاني أكبر مدن البلاد إقتصاديّا و ديموغرافيّا ، هذه المدينة الضّاربة في قدم التاريخ و الحضارة ، لم يشفع لها أن تعايش التهميش المزمن في جلّ مجالات الحياة الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و كذلك الثقافيّة … بل زاد هذا التهميش و تواترت مظاهره مع تعاقب الحكومات حتّى في عهد ما بعد الثّورة و كثرت الوعود التي تبدو كلّ مرّة عناوينًا كبرى برّاقة ، ثمّ تسكنُ و تستقرّ في الأدراج المغلقة .

صفاقس أصبحت تعيش سلسلة من الأكاذيب على غرار المدينة الرياضيّة و مشروع المترو الخفيف و مشروع تبرورة و غيرها من البروباجندا الزّائفة التي لم يحصل منها لصفاقس و أهلها إلاّ أضغاث الأحلام ،،،

و لعلّ العنوان الكبير ل- صفاقس عاصمة للثقافة العربيّة – أحد هذه الكذبات التي باتت تطغى على المشهد الثقافي في صفاقس ، عنوان كبير و طموحات أكبر في حراك ثقافي يليق بالمناسبة و يعطي لصفاقس بعدا آخر ، عنوان لم يظهر منه لحدّ الآن – و نحن على بُعد أيام قلائل من الحدث – ما يجعله واقعا أو حتّى يرسم بعض ملامحه برغم ضخامة المال المرصود لها – في حدود ال 30 مليارا .

هذا العنوان لم يلقَ الإهتمام المطلوب لا مركزيّا و لا محلّيا بصفة جديّة ولم تتجنّد له مختلف القوى الفاعلة في الحقل الثقافي على كثرتها و تنوّعها و مقدرتها لأنّها ببساطة وقع إقصاؤها واقتصرت هذه التظاهرة ( العربيّة ) على هيئة مسقطة لم تُدرج في تركيبتها أهل العلم و الدّراية و لا أصحاب الفعل الثقافي و لا حتّى المثقّفين الواعين برصيد الجهة و مكوّناتها في المنوال الثقافي .

كما أنّ البُنى التحتيّة الثقافيّة و العناصر الأساسيّة لاحتضان مكوّنات التظاهرة تكاد تكون منعدمة أمام إغلاق المسرح البلدي منذ أمد لافتقار الموارد و التدعيم و تواصل أشغال الإصلاح و الصيانة في مركّب الجموسي ، أمّا السّاحات العامّة و الفضاءات فلا دليل فيها لا من قريب و لا من بعيد ما ينبيء بحصول حدث ثقافي بوزن عربي إقليمي غير بعض الإستعراضات الفلكلوريّة و البعيدة كلّ البعد عن المفاهيم الثقافيّة الأصيلة و لا تعكس جديّة توظيف المخزون الثقافي للجهة و لا قيمة الطاقات الإبداعيّة الحقيقيّة و المقصيّة .

أيّ عاصمة للثقافة العربيّة ؟ و أيّ حراك ثقافي أمام انعدام واقع مادّي حقيقي لها و مع انتصاب لجنة تنفيذيّة لها تعمل بعيدا عن الإعلام و بدون أدوات ثقافيّة و لا رموز ثقافيّة فاعلة فقط هي تستمدّ شرعيّتها من القرارات المركزيّة و بالتعامل مع وجوه احتكرت المشهد الثقافي حتّى صدأت و لم تقدّم جديدا منذ عقود فقط يهمّها اقتناص الفرصة للإستثمار المجاني .

يُذكر أنّ الحراك الثقافي في صفاقس لا يبعد كثيرا عن الحراك الثقافي العام في البلاد الذي أصبح مرتهنا للفعل المأدلج و التوجيهي و هو بذلك لا يسير إلاّ في طريق واحدة بتلك المرجعيّة (الواحدة ) التي تديره و تهيمن عليه و لا تقبل لا المشاركة و لا التقاطع ولا الإلتقاء مع أيّ نفس ثقافي آخر يخالفها في ما ترسمه و تضبطه أو في ما يقدّمه من إضافة لا تنصهر في قوالبه وتعليباته المعدّة والمقصودة سلفا .

حاصل القوْل أنّ هذه التظاهرة الكبرى في مسمّاها ستقع إن قدّر لها ذلك ، لكن ستبقى أكثر عناوينها حبرا على ورق ، أمّا ما بقيَ فسيظهر من خلاله ما يقدّمه مقاولو الثقافة و متعهّدي الأعراس والمهرجانات بمنطق ( هذا ما يريده الجمهور ) و بمرجعيّة ما يتقنونه و – يلوكونه – و ليتخلّف أهل الثقافة و سدنتها عن التظاهرة بأكثر ألم و حسرة على ما آل إليه الوضع الثقافي وعلى تغييبهم عن مشهد كان من المفروض أنّهم هم شاغلوه و القائمون عليه ، و كذلك لتسجّل مدينة صفاقس كذبة أخرى جنب ما حازت عليه سابقا .

أترك تعليق

تعليقات

عن ليلى العود