سفير تونس ومندوبها الدائم لدى منظمة الامم المتحدة بجنيف يقوم بتكريم موظف أممي تونسي فاسد

خُيّل لنا أننا دخلنا في مرحلة جديدة من محاربة الفساد والمفسدين والمشتبه في فسادهم على المستوى الوطني و الدولي والاقليمي، خاصة بعد خطاب رئيس الحكومة الحالي السيد يوسف الشاهد الذي جعل من أولى أولياته في خطاب تنصيبه أمام مجلس الشعب محاربة الفساد والتصدي للمفسدين بكل قوة وحزم.

وزاد أملنا في هذا التمشي بعد المصادقة على قانون حماية المبلّغين عن الفساد والمفسدين بما من شأنه أن يتصدى لثقافة الفساد واستنزاف موارد الدولة وامكانياتها الاقتصادية والمالية. لكن يبدوا أن آلة الفساد ولوبي الفاسدين لا يزالون يتمتعون بقدر عال من التماسك والفاعلية ومسنودين من دوائر نافذة في الدولة التونسية ومؤسساتها في الداخل والخارج أيضا، فترى الفاسدين والمفسدين اليوم يواصلون ألاعيبهم بالمكشوف ويقمومون برص صفوفهم في وضح النهار ويسند بعضهم بعضا باستهتار ودون خشية من أحد ويهزؤون من العقول ويقلبون الحقائق ويسوّق بعضهم لبعض في داخل الوطن وخارجه عبر شبكة كبيرة من العلاقات والمصالح النفعية وغير القانونية. الأمر الذي جعل من الفساد ظاهرة خطيرة عابرة للقارات ومتجاوزة للحدود الوطنية تستدعي تشريعات وآليات قانونية دولية وتعاونا بين سلطات الدول لمحاربته والحد من آثاره المدمرة على الاقتصاد والسياسة والأمن والتنمية والبيئة وحقوق الانسان.

وفي هذا السياق، صدرت في شهر نوفمبر 2016 العديد من المقالات على صفحات التواصل الاجتماعي حول فساد دبلوماسي أممي سامي يحمل الجنسية التونسية كان يعمل في المفوضية السامية لحقوق الانسان يدعى فرج فنيش، حيث أشارت المقالات الى تورط هذا المسؤول في العديد من قضايا الفساد المرتبطة بعمله واستغلال موقعه ونفوذه للحصول على أموال ومنافع شخصية.
كما أصبح اسمه على لسان الموظفين في الامم المتحدة بجنيف بخصوص تورطه في قضايا رشوة وتدليس وتحيل وابتزاز واستغلال نفوذ. ومن بين القضايا التي انتشرت بشكل كبير نذكر قضية فساد ارتبطت به عندما كان يعمل كممثل للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الانسان في جمهورية الكونغو الديمقراطية في تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي جعل المخابرات الكونغولية تقوم بإصدار مذكرة اعتقال في شأنه الى جانب اصدار تقرير مفصل حول تحركاته المشبوهة واعمال وأنشطة نسبت اليه تخرق القوانين الدولية ومواثيق شرف الموظفين الدوليين وتسيئ بشكل كبير الى سمعة الأمم المتحدة وتونس، بلد المشبوه فيه فرج فنيش، و تقوّض المهمة السامية التي أرسل من أجلها. وبوصول هذه التقارير الى المفوض السامي لحقوق الانسان، وفي اطار ملف البحث الذي فتح في حقه آنذاك، تم اتخاذ قرار بطرده نهائيا من منصبه الا ان تدخل المبعوث الدائم لتونس وبعض السفراء العرب حينها حال دون تنفيذ هذا القرار! (لمزيد من الاطلاع على تقرير الدولة الكنغولية انظر الملف المرفق)

كان من المفروض حيال هذه التصرفات الخرقاء و المخالفة للقانون و المسيئة لمنظمة الامم المتحدة وتونس، أن يقع التنديد بشخص المشبوه فيه والتبرؤ منه ومن صنيعه من طرف الدولة التونسية حتى لا يتكرر هذا الأمر الشنيع، لكن الذي حصل يوم الجمعة 23 فيفري 2017 في اقامة السفير التونسي بجنيف “دار التوانسة” يثير الدهشة ويضرب عرض الحائط بالتوجه الجاد للحكومة التونسية في مقاومة الفساد والمفسدين والمشتبه في فسادهم ولا يشرف الدولة التونسية حيث قام المبعوث الدائم للدولة التونسية بجنيف السفير وليد دودش بإقامة حفل تكريم للمدعو فرج فنيش المشتبه فيه بتهم تتعلق بالفساد والتحيّل و الابتزاز واستغلال نفوذ وذلك في مقر اقامة المبعوث الدائم للدولة التونسية لدى الامم المتحدة بجنيف. إن هذا التكريم الرسمي لهو أمر خطير بكل المقاييس ويسيئ بشكل كبير لسمعة الدولة التونسية وسياساتها في الداخل والخارج ويرسل رسائل سلبية جدا للشركاء السياسيين والاقتصاديين حول جدية السلطات التونسية في مقاومة الفساد وترشيد الحوكمة، علما بأن عدد قليل فقط من السفراء حضروا الحفل، وهم سفير الامارات ومصر والعراق وبعض الموظفين الدوليين التونسيين من اصدقاء فنيش. ان قيام سفير تونس بتنظيم هذا الحفل يثير الكثير من علامات الاستفهام حول علاقته بالمشتبه فيه والأسباب التي دعته الى تنظيم هذا الحفل بالرغم من علمه يقينا بالشبهات والتهم الموجهة للمدعو فرج فنيش!

(تفاصيل الحفل موجودة في الفيديو الذي نشره موقع تونس ريفيو افتح الرابط:

يجدر التأكيد بأنه قد تم ترتيب هذا الحفل بالرغم من أن السيد وليد دودش ممثل الدولة التونسية في جنيف على علم بما يحوم حول المدعو فنيش من تهم وشكاوى، وقد توصّل قبيل الحفل ببضع أيام، بنسخة من شكوى تقدمت بها مجموعة من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني الى المفوض السامي لحقوق الانسان تشتكي من عدم موضوعية وغياب النزاهة والحياد عن المدعو فنيش وتستفسر حول حقيقة التقرير الذي صدر في حقه من الدولة الكونغولية وتستنكر حضوره غير القانوني في اجتماعات حزبية تونسية بجنيف وهو الأمر المخالف لواجب التحفظ للمسؤول الأممي وقد كانت الشكوى مؤيدة بالصور والوثائق الدامغة.

رغم كل المعطيات الموثقة ما راعنا إلا أن ممثل الدولة التونسية في جنيف يقيم حفلا لتكريم المدعو فنيش باسم الدولة التونسية كتحدي للجميع موجها رسالة ملغومة للمجتمع المدني والمجتمع الدبلوماسي في جنيف، مفادها أن الدولة التونسية راعية للفساد والفاسدين عوضا عن النأي بالدولة وبعثتها بجنيف عن الشبهات والتكفل بإبلاغ السلطات التونسية بما وصله من معلومات للتثبت والبحث في الموضوع (والغريب في الامر انه في قضية أخرى وصل به الامر ان يطلب رسميا باسم الدولة التونسية طرد موظف أممي تونسي من منصبه وقطع رزقه لمجرد لفته انتباه السفير التونسي لملف فساد داخل السفارة، ويعتبر هذا الأمر سابقة خطيرة ولم تقع في تاريخ الدبلوماسية التونسية أو أي دولة أخرى على مر التاريخ اطلاقا. و سنعود لهذا الملف لاحقا في مناسبة قادمة).

وفي هذا الاطار، فان مجموعة من الأسئلة تطرح نفسها بالحاح:لماذا يُقدم ممثل الدولة التونسية على مثل هذا الصنيع؟ وهل يعتبر بهذا الفعل الشنيع شريكا في الفساد ويعطي الانطباع للمجتمع الدبلوماسي في جنيف بأن تونس تحمي الفساد والمفسدين؟ لماذا لم يحضر من السفراء الا السفير الاماراتي والمصري والعراقي؟ هل هذا كل ما قدرت عليه الدبلوماسية التونسية من ربط للعلاقات في جنيف وهذا هو أقصى ثمار مجهودات ممثل تونس في الامم المتحدة والمنظمات الدولية؟ أم ان بقية سفراء الدول العربية والافريقية والاسلامية ومجموعة عدم الانحياز تعرف جيدا التاريخ الأسود للمدعو فنيش ولا يشرفها بأن تحضر حفل تكريم لمسؤول أممي تحوم حول شبهات الفساد وصاحب صفحات سوداء في علاقاته مع أغلب هذه الدول؟ تساؤل آخر مهم جدا، أين اصدقاء فرج فنيش ممن اشتغلوا معه ومن كانوا تحت مسؤوليته في المفوضية السامية لحقوق الانسان، لماذا لم يحضروا الحفل؟ أين الدبلوماسيون الأوروبيون؟ ألهذه الدرجة هو شخص مكروه و غير مرغوب فيه و ليس له صديق يحضر للادلاء بشهادته ويفتخر بمجهوداته و”اخلاقه العالية” كما قال في كلمته السيد وليد دودش ممثل الدولة التونسية في جنيف يوم الاحتفال؟! أخيرا ومنذ أن عُين السيد وليد دودش كسفير في جنيف أُحيل على التقاعد العديد من الكفاءات التونسية في جنيف والموظفين الدوليين التونسيين، فلماذا لم يكرمهم ممثل الدولة التونسية في جنيف ألأنه لا يعرفهم ام لأن بينه وبين فرج فنيش مصالح وتوجهات وتقارب ايديولوجي؟

ختاما، متى يحترم السيد رئيس الجمهورية وحكومتنا الموقرة والسيد وزير الخارجية عقول التونسيين ويبدأوا بمحاربة الفساد والمفسدين والمحسوبية وأيضا المتواطئين مع الفساد بكل جدية؟ أليست من أولى اولياتهم محاربة الفساد والمفسدين كما أعلنوا مرارا و تكرارا؟! وخاصة عندما يكون الامر متعلقا بصورة تونس في الخارج، ماذا ينتظرون؟ إذا كان هذا حال بعثاتنا الدبلوماسية خاصة في المحافل الدولية على غرار جنيف أو نيويورك، من الضعف و الهوان وغياب المهنية والتواطؤ، بل تصل الجرأة ببعضهم الى تكريم الفاسدين وتشويه صورة بلدنا وبعث رسائل خاطئة لأصدقاء تونس، فما حال بقية بعثاتنا الديبلوماسية؟؟ فمتى نراكم تبدؤون الكنس من داخل الدولة وخاصة وزارة الخارجية التي هي واجهة تونس في الخارج؟
وللحديث بقية …

المصدر: zoomtunisia

أترك تعليق

تعليقات

عن مدونات الصدى