“رابعة” / بقلم سليم عزوز

كنتُ أعتقد أن ثلاث سنوات مضت على ارتكاب مجزرة “رابعة” كافية لأن تزيل آثارها في نفسي، أو على الأقل أن تخفف من وطأتها، وتحد مما كانت تسببه لي في أيامها الأولى عندما أتكلم عنها، ومن حزن عميق، أجد أثره دموعا في عيني.

لكن ها هي التجربة تثبت بمجرد كتابة اسمها، “رابعة”، أن ما اعتقدته لم يكن صحيحاً، فذكرني حالي الآن بحالي وأنا أتحدث عنها في برنامج “على مسؤوليتي” بمناسبة مرور أربعين يوم عليها، على قناة الجزيرة مباشر مصر، إذ تمكنت يومها طيلة البرنامج من حبس دموعي، لكني شعرت بأن كل ذرة في كياني كانت تبكي.

ماذا في “رابعة” يجعلني هكذا، وبعد مرور ثلاث سنوات على ارتكاب هذه المجزرة؟ ولا يوجد من بين ضحاياها صديق، أو زميل، أو قريب، أو “معرفة”؟.. ماذا فيها ولم أزرها قط، فقد كنت مثل هذا الصوفي، الذي وصف حالته وعدم قدرته لزيارة حبيبه في المدينة المنورة، بأنه عليل من الزوار عوقه ذنب؟! كل ما ربطني بها، لا يزيد عما شاهدته عبر الشاشات، وما نقله لي الأصدقاء ولم ترصده الكاميرات على كثرتها، عن أناس بسطاء جاءوا من محافظات مصر وقراها، إلى نقطة الضوء هذه، وكثير منهم كانوا رقيقي الحال، وقد حملوا معهم طعامهم البائس في شهر رمضان، فإذا بإفطارهم “مش”، ولقيمات من خبز ناشف معد للاستخدام لفترات طويلة.

لا يعرف هؤلاء “الشرعية”، و”قيم الديمقراطية”، و”إرادة الصندوق”، لكنهم جاءوا انحيازاً لنصرة المظلوم، ولحاكم أشعرهم بأنه واحد منهم، وقد كان بالفعل كذلك، وقد انحاز لهم، فانحازوا له بعفوية وتلقائية، ورأوه رجلاً صالحاً تكالب عليه السفهاء، فوجبت نصرته، بدون فلسفة، وبدون حسابات ترهق الوجدان، فوجدانهم صاف، ويقينهم ثابت، والبال هادئ، لم تعكر صفوه “نطاعة المتنطعين”.

كان في “رابعة” أناس من خارج دائرة السياسة، وربما لم يشاركوا في ثورة يناير وفي كل موجاتها الثورية، ربما كانوا يبحثون عن لحظة يقين، فكانت “رابعة” هي هذا اليقين لأنها معركة الحق، فأدهشني ما ذكره لي صديق كان في استقبالي في المطار بعد أسبوعين قضيتهما ضيفاً على قناة “الجزيرة” من أنه يومياً هناك.. ومثار دهشتي، أنه لم يكن مؤيداً لحكم الرئيس، وكانت الدهشة الأكبر عندما أخبرني أن شقيقته التي لم تكن تهتم بالسياسة لها خيمة في “رابعة” تتركها وتذهب لعملها فيجلس فيها أبناؤها في انتظار أن تعود إليها.

كان ما لم ترصده الكاميرات، له أبلغ الأثر عندي مما رصدته ونقلته للمشاهد الذي كان يسهر طوال الليل، على هذه الحالة التي تمثلها “رابعة”، التي مثلت في الإدراك العام، قطعة من الجنة، ظهرت فجأة على سطح الأرض.

طلب مني أكثر من صديق أن أذهب إلى هناك، لكن “ما حيلتي والعجز غاية قوتي” ففي كل مرة كنت أهم فيها بزيارة “رابعة” أتراجع، وإلى الآن لا أعرف إن كان سبب هذا أنني سألتقي هناك بمن ظلمني، ولم تبرأ نفسي بعد.. أم إنني لم أشأ أن أرى في العيون نظرة إكبار منهم لشخصي وقد ترفعت عن ما حدث لي ووقفت ضد الانقلاب قبل وقوعه، وضد حملة تمرد، و30 يونيو، بل وضد الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

كان موقفي المبكر ضد الانقلاب، هو قسمتي فيما أملك، وكانت زيارتي لـ”رابعة” خارج هذه القسمة لأنه مرتبط بالقلب الذي لم يكن صافياً وقتها.

كل ما ربطني برابعة عملياً، هو مجرد ذكر اسمي في أحد لياليها على منصتها، وهو ما ذكره لي بعض الزملاء، وهم يطلبون الانضمام لحركة “صحفيين ضد الانقلاب”، ولم أكن أكثر من موقع على بيان تأسيسها، عندما عرض علي مؤسسها التوقيع، وقد توارى في يوم تلاوة البيان، وإذ قدم “رامي جان”، للمنصة لأنه مسيحي، فظني أن إعلان اسمي كأول اسم للمؤسسين، له علاقة بأنني كنت الأكبر سناً بين الموقعين، وربما لأنني مختلف مع الجماعة وحكمها، وكان الإعلان بهذا الشكل، لمواجهة دعاية الانقلاب بأن كل من يرفضونه ويؤيدون الرئيس المختطف هم من الإخوان!

كانت ماكينة التشويه تعمل ضد المعتصمين في “رابعة” ووصل الانحطاط بالانقلاب وإعلامه أن قالوا إنه يوجد “زواج نكاح هناك”، وإن هذا الاعتصام مسلح، وهناك من ذهبوا ليروا حقيقة هذه الدعاية، فإذا بهم يبقون هناك، وكأنهم السلام النفسي الذي كانوا يبحثون عنه.

لكن في المقابل، فإن دعاية الابتزاز كان تريد الوقوف عما إذا كان الاعتصام مسلحاً فعلاً أم لا؟.. وتمت دعوة الإعلاميين للوقوف على خلو “رابعة” من السلاح، كما جاءت الوفود الغربية لهذا الهدف، فلما تؤكد أنه ليس اعتصاماً مسلحاً كان القرار بفضه بقوة السلاح!

كنت نائما عندما أيقظني زميل صحفي، قال إنه يتصل بي من “ميدان النهضة”، بعدما علم أن الفض قد بدأ، فلم يجد أحدا هناك، لكنه يرى أمامه جثامين متفحمة، وكأنه جرى إشعال النيران فيها، وهو ما وقف عليه الجميع بعد ذلك!

في “رابعة” تم استدعاء الكلاب لتأكل هذه الجثامين، ربما لأن قائد الانقلاب كان يريد أن يواري سوأته، فاته أن الكلاب لا تأكل لحوم البشر، التي استباحها هو، فكان القرار بحرق الجثث، فبقيت شاهداً على جريمته ضد الإنسانية!

“لم يزعجني” إجرام السيسي، فلما نكن نعرف أنه إنسان، لكن كان المزعج بالنسبة لي أن ساسة، أيدوا هذا الإجرام وناصروه، مع أنهم كانوا معنا كتفاً بكتف في ميدان التحرير ضد مبارك، وضد حكم العسكر!

كانوا يتحدثون من موقع المنتصر، ويعلنون الشماتة، ونقلت إحدى الشاشات صوتا لناشطة يسارية معروفة، وهي تشمت في هذه الدماء، بعد ذلك شاهدنا “حرقة قلبها” على ابنها وبنتها وقد اعتقلهما الانقلاب ومات زوجها كمداً، وهو صاحب موقف مغاير لموقفها فلم يتخل عن إنسانيته في هذا اليوم. وسخر علاء عبد الفتاح (مسجون الآن) من الدكتور محمد البلتاجي، ولم يراع مصابه الأليم في كريمته “أسماء”، التي لم تبع القوم في “محمد محمود”، فقد كانت حاضرة ومناضلة في “محمد محمود” وفي كل موجات الثورة المصرية.

وكتب “علي دومة” شيئا من هذا القبيل (مسجون أيضا) يبارك قتل “الكلاب الإخوان”.

وهناك من لم يؤيدوا هذه العملية الإجرامية، لكنهم صمتوا في موقف لم يكن يليق أبداً الصمت فيه، فعندما ترتكب مجزرة بهذا النحو وهذا الحجم، وعندما تستباح الدماء، فإن الإدانة تكون هي أضعف الإيمان وما دونها هو تواطؤ، ويجوز التواطؤ بالصمت!

إن”رابعة” كانت نقطة فاصلة، ميز الله بها الخبيث من الطيب، والبشر من الحجر، والكائن الحي عن الجماد الذي لا يتأثر ولا يتألم، فارتفعت بشهدائها رمزا عالمياً لا يضرها من ضل.

سلام على شهداء رابعة في العالمين.

عربي 21

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة