دروس مستفادة من هجرة رسول الله “صلى الله عليه وسلم”/مع د. زغلول النجار

مقدمة:

في فجر الجمعة الموافق 27 من شهر صفر سنة 14 من البعثة النبوية الشريفة الموافق 13من شهر سبتمبر سنة622 م هاجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة, انصياعا لأمر الله – تعالى – بعد ثلاث وخمسين سنة قضاها رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في مكة . وكان في هذا الحدث العظيم كم هائل من الدروس والعبر التي يجب على كل مسلم ومسلمة استرجاعها في كل احتفال برأس السنة الهجرية حتى تتحقق الفوائد المرجوة من هذا الاحتفال.

من دروس الهجرة :

أولاً: درس في التأكيد على حتمية الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل:
الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل من ضرورات الحياة الدنيا ، والحق لا ينتصر لمجرد كونه حقا بل يحتاج إلى المؤمنين به الذين يبذلون الغالي والرخيص من أجل الانتصار له ، وإعلان كلمته في الأرض ، وللتدليل على ذلك نستعرض واقع مكة المكرمة قبل الهجرة مباشرة . فقد رأى كفار ومشركو قريش أن انتشار الإسلام في يثرب يشكل خطرا كبيرا عليهم فدعوا إلى اجتماع في دار الندوة حضره صناديدهم ليتدارسوا الأمر ، وبعد تداول الأمر تكلم في هذا الاجتماع أبو البحتري بن هشام فاقترح حبس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرفض اقتراحه ، واقترح الأسود بن عمرو نفيه إلى خارج مكة فردوا عليه اقتراحه قائلين : ليس هذا برأي ، ألم تروا حسن حديثه ، وقوة منطقه ، فإذا حل عند قوم لا يلبث أن يستولى على نفوسهم ، ويحل في سويداء قلوبهم؟ بعد ذلك تحدث أبو جهل عمرو بن هشام زعيم بني مخزوم من قريش قائلا: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى ، شابا، جليدا ، نسيبا ، وسيطا فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ويذهبون حيث محمد ، فيضربونه ضربة رجل واحد ، فيتفرق دمه في القبائل كلها ، فلا يستطيع بنو عبد مناف قتال الجميع ، فرضوا منا بالعقل أي:الدية فعقلناه لهم ، فاستحسن الحضور الرأي، وقرروا إخراجه إلى حيز التنفيذ . وعلى الفور أخبر الله – تعالى – خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) بتفاصيل المؤامرة التي أنزل بشأنها قرآنا يتلى إلى يوم الدين يقول فيه (ربنا تبارك وتعالى): (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال : 30)
ويقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُون*) (التوبة : 20).

ثانيا: درس في حسن التخطيط لكل أمر مع التوكل على الله :
أمر الله سبحانه وتعالى خاتم أنبيائه ورسله (صلى الله عليه وسلم) بالهجرة من مكة الى المدينة ، فبدأ بالإعداد لذلك آخذا بكل ما لديه من الأسباب، فكتم أمره حتى عن صاحبه الذي أخبره الله تعالى أنه سيرافقه في هجرته . فطلب منه أن يجهز لرحلة الهجرة ، فابتاع راحلتين احتبسهما في داره ، يهيئهما للرحلة الطويلة ، كذلك عهد رسول الله إلى ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه ليلة الهجرة ، حتى يرد ما كان عند رسول الله من أمانات لكفار ومشركي قريش ، وأن يتسجى ببرده صرفاً لأفئدة المتربصين.
وتروي أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) في حديثها عن الهجرة قائلة : كان رسول الله لا يخطئ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار ، إما بكرة وإما عشية ، حتى إذا كان ذلك اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله بالهجرة والخروج من مكة من بين ظهراني قومه ، أتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها ، فلما رآه أبو بكر قال : ما جاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم)هذه الساعة إلا لأمر حدث . فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء ، فقال رسول الله : أخرج عني من عندك فقال: إنما هما بنتاي بأبي أنت وأمي فقال رسول الله : أن الله قد أذن لي بالخروج والهجرة( فقال أبو بكر «الصحبة يا رسول الله، قال (صلى الله عليه وسلم) : )الصحبة، فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ وأعد أبو بكر دليلا ليصحبهما في الرحلة إلى المدينة ، وأمر ابنه عبد الله أن يجمع لهما أخبار أهل مكة ، وأمر خادمه عامر بن فهيرة أن يرعى الغنم في جنوب مكة ليعفو على آثارهما إذا تحركا ، ودرب ابنته أسماء رضي الله عنها على حمل الطعام والشراب وعلى تسلق الجبال لإيصاله إليهما.

ثالثا: درس في الإيمان برعاية الله (تعالى) لنبيه:
في العتمة من ليلة الهجرة النبوية الشريفة ، طوق بيت النبي أحد عشر شابا من كفار قريش المتوشحين بالسيوف يرصدون كل حركة فيه . وعند منتصف الليل قام صلوات ربي وسلامه عليه ليخلفه علي بن أبي طالب في فراشه، وخرج من بينهم دون أن يشعروا به لأن الله تعالى كان قد أغشى أبصارهم . ثم تحرك للقاء أبي بكر لينطلقا في رحلة الهجرة ، عامدين إلى غار ثور .

رابعا: درس في حب الأوطان:
قبل مغادرة مكة وقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم)على رابية صغيرة في أحد أسواق مكة ، واتجه ببصره إلى الكعبة المشرفة يودع أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى وإلى قلب خاتم أنبيائه ورسله قائلا : «والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ ، وأنك أحب أرض الله إلى الله عز وجل وأكرمها عليه ، وإنك خير بقعة على وجه الأرض، وأحبها إلى الله تعالى ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت .»

خامسا: درس في حب رسول الله:
سار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومعه أبو بكر على الأقدام مسافة تقدر بحوالي عشرة كيلومترات في الاتجاه إلى غار ثور ، إلى الجنوب من مكة وقد حمل أبو بكر معه كل ثروته ، ولم يترك لأبنائه منها شيئاً ، وأبو بكر خائف على رسول الله من أن تلمحه عين من أعين كفار ومشركي قريش، فتارة يمشي أمامه وتارة يأتي خلفه ، وثالثة عن يمينه ، ورابعة عن يساره فسأله رسول الله عن ذلك فقال: «يا رسول الله! أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك ، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك ، لا آمن عليك .» . وبعد صعود جبل ثور ، وهو جبل شامخ الارتفاع،صعب المرتقى ، كثير الأحجار الصلدة ، الناتئة،وصل النبي وصاحبه إلى فم الغار، وهم (صلى الله عليه وسلم) بالدخول إلى جوفه فسبقه أبو بكر قائلا: «لا تدخل يا رسول الله حتى أدخله قبلك ، فإن كان فيه شيء أصابني دونك .«دخل أبو بكر إلى جوف الغار، ودار على جوانبه يتفحصها ، فوجد فيها جحورا كثيرة ، فشق ثوبه ، ومزقه قطعا دار بها على جحور الغار يسدها بخرق الثوب ، وبقى جحران متقاربان لم يجد لديه ما يسدهما به ، فاستلقى على أرض الغار مواجها هذين الحجرين اللذين سدهما بقدميه خشية أن يكون بهما من الهوام ما قد يؤذي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم نادى عليه فدخل ووضع رأسه على أحد فخذي أبي بكر ونام من شدة الإجهاد.صدق حدس أبي بكر فقد فوجئ بحية تلدغه من أحد الجحرين اللذين سدهما بقدميه ، فتحمل آلام اللدغ ولم يحرك قدمه حتى لاتخرج الحية فتؤذي رسول الله ولكن الألم زاد عليه فبدأ يبكي بكاءً مكتوماً من شدة الألم ، وسقط شيئ من دمعه رغما عنه على وجه رسول الله فتنبه مستيقظا سائلا : «مالك يا أبا بكر؟ » فقال: لدغت يا رسول الله فداك أبي وأمي فعالج رسول الله مكان اللدغة فشفيت .ولما جاء وقت الفجر ، ووصل نور النهار إلى قلب الغار لاحظ رسول الله أن أبا بكر لا يلبس الثوب الذي كان عليه حين خرجا من مكة فسأله عنه فأخبر بأنه مزقه ليسد به جحور الغار خوفا من الهوام ، فرفع النبي (صلى الله عليه وسلم) يديه إلى السماء قائلا :”اللهم اجعل أبا بكرفي درجتي يوم القيامة” مكث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه في الغار ثلاث ليال حتى يأمنا الطريق إلى يثرب. وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار ليلا , ويبيت عندهما حتى السحر , وكانت أسماء تأتيهما بالطعام والشراب لتعود مع أخيها قبل طلوع الفجر, وكان مولى أبي بكر عامر بن فهيرة يرعى خارج مكة ليعفي على آثارهما .

سادسا: درس في معية الله (تعالى) لعباده المؤمنين :
شّمرت قريش عن سواعدها في طلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصاحبه ،وجندت كل إمكاناتها في سبيل تحقيق ذلك ، وقررت إعطاء مكافأة قدرها مائة ناقة عن كل واحد منهما، لمن يعيدهما إلى قريش حيين أو ميتين كائنا ما كان. وأملا في الحصول على تلك المكافأة السخية جَدَّ كل من قصاصي الأثر والفرسان في طلب المهاجرين الكريمين ، وانتشروا في كافةالأودية والجبال المحيطة بمكة حتى وصل بعض المقتفين للأثر إلى فتحة غار ثور ، وقالوا : والله ما جاز مطلوبكم هذا المكان . سمع أبو بكر هذا الكلام فبكى بكاء مكتوما هامسا لرسول الله بقوله:”والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. لو هلك أبو بكر لهلك فرد واحد , أما أنت يا رسول الله لو هلكت لذهب الدين , وهلكت الأمة , والله ما على نفسي أبكي, ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره”. فطمأنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلا :” يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما!!؟ لا تحزن إن الله معنا”. وفي ذلك يقول ربنا (تبارك وتعالى): {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*} (التوبة:40).
وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واثقا من معية الله (تعالى) لهما فقد أوحى إلى شجرة أن تنحاز إلى فم الغار لتسده, كما أوحى إلى كل من أنثى العنكبوت أن تنسج نسيجا يطبق على فم الغار , وإلى حمامتين أن تبيضا وتفرخا بالوصيد مما جعل كلا من المطاردين وقصاصي الأثر ينبذون الرأي القائل بأنهما قد دخلا إلى جوف غار ثور , فعادوا أدراجهم خائبين بعد أن صرف الله أنظارهم عن المهاجرين الكريمين .
ولما هدأ الطلب اتجهت أنظار الكافرين إلى شمال مكة , فجاء عبد الله بن أبي بكر بالراحلتين وبالراعي والدليل وكان ماهرا بالطريق إلى المدينة , وكان على دين مشركي قريش ولكنه عاهدهما على ألا يخون الأمانة . وأتتهما أسما بزاد رحلتهما فخرج رسول الله وصاحبه من الغار فقدم له أبو بكر أفضل الراحلتين وأصر رسول الله على دفع ثمنها فركبا وانطلق سالكين طريق الساحل إلى المدينة على الرغم من أنه أطول من الطريق الجبلي هروبا من مطاردة المطاردين .

سابعا: درس في كرامات رسول الله :
على الرغم من تغيير الطريق إلى المدينة فقد اشتد الطلب في أثر المهاجرين الكريمين فبادر أحد فرسان قريش وكان اسمه سراقة بن مالك بالركض شمالا بحثا عنهما حتى إذا قرب منهما دعى عليه رسول الله فعثرت به فرسه وخر عنها ثم قام وركب عليها فغاصت قدما الفرس في الأرض ثم زجرها فنهضت فاستجار برسول الله فأجاره ثم يدفعه الطمع إلى تناسي ما وقع له فيصيبه أشد منه حتى آمن ألا سبيل له إليهما وظهر له من الكرامات ماجعله يعود صادا للمتعقبين لهما .
وفي الطريق إلى المدينة نزل ركب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للتزود بالطعام والشراب على خيام لأم معبد الخزاعية والمنطقة تعيش في شدة من الجدب والعوز ، فسألوها أن تبيعهم لحما أو لبنا أو تمرا ، فقالت: والله لو كان عندنا ما أعوزناكم القرى )أي القيام بواجبات الضيافة( .وفجأة أبصر رسول الله شاة خَلَّفها عن الغنم شدة ما بها من هزال وجهد ، فسأل رسول الله : هل بها من لبن؟ قالت أم معبد : هي أجهد من ذلك ، قال : أتأذنين لي في حلابها ؟ أجابت : والله ما ضربها من فحل قط ، فشأنك إن رأيت فيها حلبا فاحلبه ، وأحضرتها له. فمسح رسول الله بيده الشريفة على ظهر الشاة وعلى ضرعها مسميا باسم الله ، فدرت ، ودعا بإناء فحلب، ونزل اللبن قويا في صوته ، ثرا في تدفقه حتى امتلأ الإناء ، فقدمه لأم معبد فشربت حتى رويت ، وشرب جميع من حضر حتى روى ، وأخيرا شرب رسول الله حتى رووا ، وكان قدومه على أهل هذه المنطقة بشير يمن وبركة ، فنزل الغيث ، واخضرت الأرض ، ودرت ضروع الحيوانات ، فأطلقوا على زائرهم لقب المبارك .وفي الطريق إلى يثرب لقى ركب النبي كلا من أبي بريدة والزبير بن العوام ، وكان أبو بريدة زعيم قوم أخرجوا وفدا من أكثر من سبعين رجلا في طلب الرسول وصحبه ، ولما واجهوه أسلموا جميعا ، أما الزبير فكان في جماعة من التجار المسلمين العائدين من بلاد الشام ففرحوا بلقاء الرسول وصحبه

ثامنا: درس في تحقق نصر الله لعباده الصالحين :
بعد أحد عشر يوما في الطريق وصل ركب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى قباء فاستقبل أهلها الركب بالترحاب والفرحة والبهجة ، وقضى الرسول وصحبه عدة أيام في قباء يصلون في مسجدها وهو أول مسجد أسس على التقوى .ثم تحرك الركب المبارك إلى المدينة انتزاعا من قلوب أهل قباء ، فتزاحم أهل يثرب على زمام ناقة الرسول ،كل يريد أن يظفر بنزول هذا الركب المبارك عنده ، ورسول الله يقول : « دعوها فإنها مأمورة”. حتى بركت في موضع مسجده الشريف إلى جوار بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي نزل به رسول الله . وكانت الأرض التي بركت فيها الناقة أرضا خلاءً يملكها يتيمان في المدينة فوهباها لرسول الله ولكنه أصر على دفع ثمنها كاملا قبل البدء ببناء المسجد فيها .وفي هذا المسجد الذي كان شديد التواضع في بساطته.
ربى رسول الله رجالا ونساء من المسلمين الذين فهموا حقيقة رسالتهم في الحياة : عبادا صالحين لله ، مطالبين بعبادته تعالى بما أمر ، ومستخلفين ناجحين في الأرض ، مطالبين بعمارتها ، وبإقامة شرع الله وعدله في ربوعها. وبهؤلاء الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات أقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أعظم دولة عرفتها الإنسانية عبر تاريخها الطويل ، وأعظم حضارة شهدتها الأرض منذ أن خلقها رب العالمين .

تاسعا: درس في الأخوة الإسلامية والتكافل الإسلامي:
فقد آخى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين المهاجرين والأنصار, وأكد على ضرورة التكافل بينهم , وبذلك أقام قواعد المجتمع الإسلامي الذي وصفه القرآن الكريم بقول الحق (تبارك وتعالى) {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ*} (الحشر:9) .

عاشرا: درس في أن الهجرة من سنن الفطرة :
فقد هاجر كل ما نعلم من الأنبياء من أرضه , كما أننا في كل لحظة من لحظات وجودنا نتواجد في نقطة مختلفة من الكون, والكون كله يتحرك في اتجاه الانتقال إلى الآخرة, لذلك اتخذ الفاروق (رضي الله عنه) يوم هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبتدأً للتاريخ الإسلامي لأن هذ اليوم المبارك انتقلت فيه أمةمحمد (صلى الله عليه وسلم) من طور الاستضعاف إلى طور الاستخلاف في الأرض فأقامت أطول وأكمل حضارة شهدتها الأرض لأنها امتدت لأكثر من عشرة قرون كاملة, وكانت الحضارة الوحيدة – فيما نعلم – التي جمعت بين الدنيا والآخرى في معادلة واحدة .
وعلى ذلك فإنه بالاحتفال بذكرى هذا الحدث العظيم (هجرة رسول الله) والتي لولاها ما وصلنا الإسلام ، و لعاشت البشرية كلها في دياجير الشرك والكفر والضلال التي غاص وما يزال يغوص فيها غالبية أهل الأرض . من هنا كان واجب المسلمين عند كل احتفال بهذه الذكرى العطرة أن يسعوا لإحياء الدروس المستفادة منها فيصبح الاحتفال تحقيقا عمليا لروح الهجرة.

حادي عشر: التأكيد على أن يكون للمسلمين تاريخهم الخاص:
قبل عهد سيدنا عمر بن الخطاب، لم يكن لدى المسلمين تقويم، فقط كانت لديهم الشهور، وبدأت الفكرة حينما بعث سيدنا أبو هريرة برسالة للفاروق عمر، يقول له فيها “حدث فى رجب” فرد عليه فى أى رجب، هل الماضى أو قبل الماضى، فاختلط الأمر عليهما ومن هنا جاءت فكرة التقويم.
أولى الأفكار التى جاءت للصحابة أن يبدأ التقويم بتاريخ ميلاد النبى، ولكن سيدنا عمر قال، إن النبي عليه الصلاة والسلام ولد فى بيئة مشركة تعبد الأصنام، ولم يكن هناك أحداث خاصة بالمسلمين، فاقترحوا الإسراء والمعراج، أو بداية نزول الوحى على رسول الله، ولكن سيدنا عمر قال نجعله بهجرة المسلمين، حيث أصبح لهم وطن، وقانون، وحاكم، وأصبحنا نصنع أحداثنا، فاستقروا أن تصبح الهجرة هى بداية التاريخ.
ويتضح أن التأريخ ليس فقط زمانا، بل زمان، ومكان، وأحداث، ولذلك كان اختيار الهجرة. وبعد اختيار الهجرة كحدث للتأريخ، لم يكن من الممكن أن يبدأ العام من شهر ربيع، الذى يعتبر الشهر الثالث، فتعداد الشهور وترتيبها كان مؤرخا بالفعل، ولذلك تمت تسمية العام بالهجري، وعد السنوات منذ الهجرة، واتفقوا أو اجتمعوا بلغة الفقه أن تكون بداية السنة الهجرية في محرم، وخصوصا أن المسلمين كانوا بدءوا الهجرة بالفعل قبل النبي فالنبي هاجر في ربيع الأول، ولكن هناك مسلمين هاجروا قبله بفترات طويلة .

ثاني عشر: التأكيد على حرمة شهر المحرم وحرمة العاشر منه:
عن (ابن عباس رضي الله عنهما ) أنه قال: ” قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء, فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح, هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم, فصامه موسى . قال (صلى الله عليه وسلم) : فأنا أحق بموسى منكم . فصامه وأمر بصيامه .
وعن أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) أنها قالت : كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان , وكان يوما تستر فيه الكعبة , فلما فرض الله رمضان , قال رسول الله : “من شاء أن يصومه فليصمه, ومن شاء أن يتركه فليتركه” (البخاري) .
وعن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) أن أهل الجاهلية كانو يصومون يوم عاشوراء , وأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان, فلما افترض رمضان قال رسول الله: ” إن عاشوراء يوم من أيام الله , فمن شاء صامه ومن شاء تركه . وقال: “لإن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع “.
فالحمد لله على نعمة الإسلام ، والحمد لله على بعثة خير الأنام الذي جاهد على مدار ثلاثة وعشرين سنة حتى أوصل لنا دين الله الذي لا يرتضي ربنا تبارك وتعالى من عباده دينا سواه فصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة