تونس أو حكومة “الحَمْل الكاذب” / بقلم محمد هنيد

ليس مدار تقييم الحكومة الجديدة التي أُعلن مؤخرا عن تشكيلها في تونس متعلقا فقط بقدرتها على الفعل والإنجاز وتحقيق ما لم تحققه الحكومة أو الحكومات السابقة بل مدار التقييم هنا هو مبدأ هذه القدرة والأساس الذي تقوم عليه باعتباره متضمَّنا في دائرة الإيهام بالفعل والتغيير والقدرة عليهما.

أي أنّ العملية السياسية الجديدة في تونس تحتاج إلى قراءة الأسس التي تتأسس عليها خاصة بعد عودة الدولة العميقة كاملة إلى السطح وإمساكها بكامل زمام العملية السياسية بعد أن استفادت استفادة تامة من السياق الانتقالي في تونس وخاصة في خارج تونس.

فما هو الجديد الذي حتم اللجوء إلى حكومة جديدة؟ وما هي المعطيات الحادثة التي استوجبت تغيير الفريق السابق برئيس الحكومة لتكوين فريق جديد يحمل كل أنواع الشبهات؟ ما هو المخاض الكبير الذي استوجب هذا “التغيير”؟

يحمل مصطلح التغيير دلالة قاتمة في وعي الشعب العربي في تونس لارتباطه بفترة القمع والاستبداد الدموية التي صنعها الرئيس الهارب وهو كذلك مصطلح يحمل أكثر دلالات الإيهام والتزييف كثافة وتركيزا.
فقد قاد “بن علي” فترة حكمه تحت شعار “التحوّل” بعد أن أضاف له نعتا مقدسا فصار “التحوّل المبارك” ولقّب نفسه “برجل التغيير” وكان التغيير المقصود هو الإيهام بالانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى تكون أفضل من سابقتها في الوقت الذي انكشف فيه مشروع التغيير عن أحلك الفترات القمعية في تاريخ تونس الحديث.

الحكومة الجديدة تدخل هي الأخرى في إطار الإيهام بالتغيير وبالتحوّل في سياق ثوري هذه المرّة وهي في نظرنا أقرب إلى عمليّة إعادة توزيع الأدوار داخل المشهد السياسي بشكل يسمح بترسخ حضور الدولة العميقة كاملا في الواجهة بعد أن بقيت في الظل لفترة طويلة.

الثابت الأكيد مثلا هو اتفاق الجميع وخاصة حركة النهضة على تصفية إرث الثورة التونسية ثورة غضب وثورة الريف الفقير التي انفجرت في سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر كانون الأول 2010.

تأتي هذه الخلاصة بناء على خطاب الحركة غير المُعلن والذي تصف فيه الخطابات الخارجة عن خطها السياسي بالخطابات الثورجية والفوضوية و غير المسؤولة مقارنة “بتكتيك الشيخ” وحركات الخفّة التي تتقنها القيادات الرخوة داخل الحركة نفسها بعد أن ربطت نفسها ومصيرها وتاريخ قواعدها العريق والمشرّف ببرامج الوريث الجديد لحزب “بن علي” وهو حزب “نداء تونس”.

الاسلاميون اليوم يحاولون قدر الامكان الموازنة المستحيلة بين تحقيق بعض شعارات الحركة ـ لا الثورة ـ من ناحية أولى والبقاء في المشهد السياسي عبر التحالف مع جلاد الشعب من ناحية ثانية.

حزب نداء تونس أو حزب التجمع الجديد بما يمثله من إحدى واجهات حكومة الظل التي تحكم المشهد التونسي فهِم هذه المعادلة مبكرا وذلك منذ لقاء باريس الشهير بين الشيخ والرئيس وهو فهمٌ حقّقت بفضله الثورة المضادة مكاسب كبيرة جدا مكّنتها من اختراق حركة النهضة ومن فصل القواعد الثورية للحركة عن القيادات المتلوّنة. هذا أمر سيظهر جليا في كل الانتخابات والمواعيد الانتخابية المقبلة لأنه يمثل أشرس الضربات التي وجّهتها الدولة التونسية العميقة لحمَلة “المشروع الإسلامي” بشكل دمر الجانب الأكبر من قاعدة المتعاطفين التاريخيين مع الحركة.

نداء تونس هو الرابح الأكبر من الثورة ومن كل المسار الانتقالي لأن فريقا كبيرا من العصابات داخله تخلصت بفضل الثورة من مركزية قرار النهب الذي كان بيد العائلات المحيطة ببن علي وزوجته من جهة أولى ثم تمكنت نفس هذه العائلات من استعادة زمام المبادرة بسبب تشرذم النخب السياسية التونسية وصراعها على المناصب وخاصة بفضل تحالف الاسلاميين معهم.

اليوم تتوّج الدولة العميقة هذا المسار وتجدد نفسها داخل الحكومة عبر حقائب وزارية تعود في أغلبها إن لم نقل في جلّها إلى العائلات الحاكمة في تونس وإلى وجوه مرتبطة وثيق الارتباط بنظام الرئيس الهارب وبمنظومة النهب والفساد القديمة التي سقط شهداء تونس من أجل استئصالها.

بناء عليه فإذا كانت حركة النهضة صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر وصاحبة الثقل الجماهيري القديم تشارك بشكل مُذلّ في حكومة الفساد الجديدة وبعناصر رخوة وشديدة التشبث بالكراسي وإذا كانت بقية الدكاكين الايديولوجية تقتات على منصب أو منصبين من أجل ترضية مرضى المناصب والوجاهة الكاذبة فإنه يمكن القول أنّ النظام القديم قد استعاد بشكل شبه كامل المشهد السياسي التونسي وبشكل رسمي وبمساحيق ديمقراطية انتخابية.

الانتخابات التونسية كذبة كبيرة يعرفها الجميع اليوم وإلا لما حلّت الشرعية التوافقية محل الشرعية الانتخابية لأن ما على السطح هو غير ما يعتمل في الأعماق. الحكومة الجديدة هي بوجوهها الموغلة في انعدام الكفاءة من ناحية وانعدام الأهلية من ناحية ثانية هي فعلا حكومة الحمل الكاذب وحكومة الإيهام بالتغيير لأنها لا تملك قرارها ولا هي قادرة على مواجهة جبال الفساد والنهب بما هو المتحكم الحقيقي في كل مفاصل الاقتصاد والادارة التونسية.

فبقطع النظر عن الوجوه الفاسدة في التشكيلة الجديدة من النقابيين والاستئصاليين الذين دمروا الاقتصاد الوطني وركعوا المسار الانتقالي تركيعا فإن الشكل السياسي للمشهد التونسي لا يتقرر داخليا بقدر ما تلعب القوى الخارجية عن طريق سفاراتها في تونس دورا مركزيا في تشكيله بحسب مصالحها ومصالح الشركات التي تنهب ثروات أرض تونس وعرق أهلها منذ عقود.

لكن مهما كانت جرائم الحكومات التونسية المتعاقبة في حق الشعب التونسي وفي حق السيادة الوطنية وفي حق ثروات البلاد فإنها تنجح دائما وعن غير قصد في دفع الوضع المتفجر نحو حدوده القصوى بما يسمح بتجدد شروط التغيير الحقيقي التي سيصنعها الشعب التونسي الفقير كما صنع شرارة ربيع العرب من قبل.

الشعب التونسي الفقير بكتائب معطليه ومحروميه وطبقاته الفقيرة هو الوحيد القادر على التغيير الفعلي وعلى اجتثاث الفساد من جذوره وتطهير البلاد من “عصابة السراق” بعيدا عن خيانة النخب وتكالب السياسيين على الكراسي والامتيازات وهو الوحيد القادر على صناعة مخاض الحرية والكرامة بعيدا عن كل أشكال الحمل الكاذب.

عربي 21

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة