تنظيم الخلافة ودوره في تشييع المنطقة / بقلم د. طه الدليمي

تنظيم الخلافة أو الدولة ما جاء ليبني دولة، ولا ليطبق شريعة.. على الأقل من ناحية القدرة الفعلية: علماً وفهماً وخبرة وفعلاً، وإمكانية تحقيق الشعار المرفوع على الواقع الموضوع.. فضلاً عن إقامة دولة خلافة، وخلافة راشدة على منهاج النبوة.
أي عاقل ينوي ذلك لا يمكن أن يفتح على نفسه جبهة قتال تمتد من ليبيا حتى اليمن، ومن العراق إلى الشام، ومن أوربا إلى أندونيسيا، وضد العالم أجمع، سوى إيران وإسرائيل. حتى المجنون يبتعد بالغريزة عن مثل هذا الفعل المجنون، ويدرك بها أن هذا استعداء لقوى هو غير قادر على مواجهتها حتماً ولا بد.
هذا جنون صراح وتخريب بواح ليس فيه من أثارة لعقل ولا أثر لنقل.
هناك سنن كونية وشرعية لا تجامل أحداً ولو كان نبياً، أمر الله تعالى باتباعها، وإلا كانت العاقبة في غير صالح المخالف. انظر لحركة الإنسان.. لا يمكن للقدم أن تنتقل خطوة ما لم تتمكن القدم الأُخرى من ثابت الأرض، وإلا تزحلق المتحرك، أو كانت حركته قفزاً كالغراب. ولا أظن قادة التنظيم يجهلون ذلك، الجهل يمكن أن يكون في الجمهور، وهو واقع ومتفشٍّ، لاسيما بعد انكشاف الأمور، وسقوط الشعارات القوية التي نادى بها التنظيم مثل “نحن على الحق فانتصارنا حتمي”، و”دولة الخلافة باقية وتتمدد”. وعندما بدأت الأمور تنعكس لم يعترفوا بالخطأ، إنما لجأوا إلى الترقيع. أما الرؤوس فيعلمون.
تمَكُّن التنظيم أم تمكين الشيعة ؟
تمكُّن تنظيم الدولة من المدن السنية وما جرّ بعده من كوارث وويلات، كان سبباً من أسباب تمكين الشيعة والتشيع كليهما، وخطوة إلى الأمام في المسار المتجه إلى ذلك الهدف الخطير. اتخذ هذا المسار محورين متوازيين: التغيير المعنوي: فكرياً ونفسياً، والتغيير الديمغرافي، إضافة إلى محاور أخرى.
التغيير المعنوي
عندما كنا نحذر أهلنا في الفلوجة والرمادي والموصل وغيرها من مناطق السنة من خطر الشيعة الداهم أيام تغول تنظيم القاعدة في العراق.. نجد معظم الناس هناك غير مهيإين لتقبل ما نقول. ومن الأسباب الكبيرة لهذه الظاهرة الغريبة، هو ما ارتكبه التنظيم بحقهم من جرائم وحماقات أتت على ما عنده من حسنات فأفسدتها وحولتها إلى سيئات. كانوا يواجهوننا بصريح القول: هل القاعدة شيعة أم سنة؟ نحن أوذينا من السنة قبل الشيعة.
وبعد أن ذاقت المناطق السنية الويلات من الشيعة انقلبت الأمور بنسبة كبيرة لصالح الشعور بالكينونة السنية، والوعي بأنهم مستهدفون من قبل الشيعة كسنة قبل أي شيء آخر. وصار السنة يتمنون أي خلاص من الفخ الذي وضعوا فيه ولو على يد القاعدة.
في مطلع 2014 بدأ الاجتياح القاعدي للمناطق السنية لكن بنسل جديد أقوى وأنكى. وفي 10 حزيران 2014 تمكن هذا النسل الجديد القديم من نينوى وأعلن عما أسماه (دولة الخلافة الإسلامية). واستبشر معظم الناس بهم، ومن ضمنهم كاتب السطور على حذر، قلنا: كل شيء إلا الشيعة. وانطلق التنظيم كجائع حوشي منذ ثلاث وجد نفسه على مائدة من ثلاثين نوعاً فهو لا يعرف ما يأخذ وما يدع: لا طبقاً لحاجة الجسد، ولا مراعاة لأدب. وانقلبت الأمور سريعاً، حتى بات معظم الناس يتمنون رجوع الأمور إلى ما كانت على عهد التغول الشيعي ولو على يد (جحش/ جيش الحشد الشعبي). والمقتصد منهم من يتمنى الخلاص على يد جيشهم لا جحشهم.
هاتفني أحد الأصدقاء (أستاذ جامعي) في حينها: هل تعلم أن جلدي يقشعر وعيني تدمع نشوة بما أرى من اندحار الشيعة، وما أشاهده في هذه اللحظات الملائكية في شوارع الموصل من آثار اندحارهم؟ الصديق نفسه لم يتمكن من الإقامة بين ظهرانيهم أسابيع حتى هرب من جحيم رعوناتهم، واليوم كتب مقالاً بعنوان (نينوى بين احتلالين 9/4/2003 – 10/6/2014) المنشور على موقع القادسية(*).
عندما تتهيأ الأرضية الفكرية والنفسية فقد انفتحت الدار للأغيار: أهلاً وسهلاً ومرحباً!
التغيير الديموغرافي
قبل سيطرة تنظيم الدولة كان أهل السنة في بلاء مبين وكرب عظيم. وبعد أن سيطروا زاد البلاء أضعافاً في حجمه، أما في نوعه فقد انضاف شيء جديد لم يكن من قبل.
كان الوجود الشيعي في المناطق السنية في معظمه وجوداً رسمياً يتمثل في الجيش والشرطة والأمن وما شابه، وقد يزيد على ذلك بنسبة ما. لكن بعد مجيء (دولة الخلافة) تغير الوضع من وجود تمثيلي إلى وجود شمولي، ومن وجود رسمي مبطن إلى وجود احتلالي استحلالي إحلالي معلن، يتوطن فيه الشيعة ديار السنة وبرغبة كثير من أبناء المنطقة. والعمل جارٍ على تحقيق هذا الهدف، ليس في العراق فحسب، وإنما في الشام وفي اليمن أيضاً. ومدينة داريا في دمشق مثال قريب، تلك المدينة التي أفرغت من أهلها الذين هجروا إلى الشمال باتفاق تفاوضي مع النظام الشيعي. واسأل من يحل الآن محلهم؟
هل يجهل قادة التنظيم أن هذا هو النتيجة الوحيدة لما يفعلون، بصرف النظر عما فيه من قتل وإثخان في الشيعة؟ لن يغير هذا من النتيجة الحتمية. بل لو فكروا لوجدوا أن إيران مرتاحة جداً لما يقع في الشيعة من قتل. وقد كان الزرقاوي وتنظيم القاعدة يوقع بالشيعة ملاحم للقتل، هذا وقادة التنظيم في الوقت نفسه يقبعون في إيران، وخطوط إمداده الخلفية (الحبل السري) كلها هناك (المشيمة)، وباعتراف العدناني الناطق الرسمي باسم التنظيم بعد انشقاقه! فلم لا يرعوون أو يتراجعون؟
بعض المناطق السنية محيت من الوجود. لم يبق على ظهرها لا بشر ولا حشر ولا حجر. ناحية (جرف الصخر) شمال غربي الحلة، أو جنوب شرقي الفلوجة.. مثال صارخ! سويت بالأرض: بيوتها، مساجدها، مدارسها، بساتينها، مؤسساتها، بنيتها التحتية… لم يبق شيء. وأهلها بين قتيل وأسير وشريد! تركها التنظيم نهباً للخراب والذئاب كما ترك بقية المناطق.. معارك ضروس ثم انسحاب وترك المنطقة لمصيرها، إلى منطقة أخرى معلوم أن مصيرها شبيه بمصير أختها ولا بد. الشيء نفسه يكرر في المناطق التالية، وإن كان ثمت فرق بين منطقة وأخرى فكمي لا نوعي، دون شعور بالمسؤولية: لا الدينية ولا الأدبية. الفلوجة مثال. والموصل – لا سمح الله – على الأبواب. وكأن خطة ممنهجة وضعت سلفاً، ولا أستبعد ذلك.
لقد تمكن الشيعة اليوم من ديار السنة كما لم يتمكنوا من قبل. وبعد أن كان أملنا بالإقليم أن يقصر سنين التيه إلى عشر سنين مثلاً، ابتعدنا عن الهدف عشراً أخرى بل ربما أكثر. وذلك بفضل تنظيم الخلافة المزعومة وهمجيته وجنونه. الذي رفض الإقليم كما رفضته إيران بكل ما أوتيت من لهفة. وهل كانت (دولة الخلافة) الموهومة أكثر من إقليم؟ أو بالأحرى، قلامة إقليم؟ فما سر هذا الرفض المشترك بينهم وبين دولة (الرفض)؟!
أقول هذا إن أحسنت الظن وقلت: إنما استدرج التنظيم إلى هذا الفخ لجهل قادته وقاعدته بأصول الشرع وقواعد السياسة وآداب القيادة. أما إذا حركت هاجس الشك، وما هو منهم ببعيد، فلي أن أسأل كما يسأل الأكثرون: لماذا طال لسان التنظيم ويده ورجله كل الدول والأنظمة إلا إيران وإسرائيل؟!

موقع القادسية

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة