تفسير الآية قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ../ مع الدكتور محمد راتب النابلسي

سورة الكهف تفسير الآيات من الآيتان 109 – 110 ، إعجاز القرآن العلمي و الطريق إلى الله بالعمل الصالح .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة المؤمنون:
الآية التاسعة والعاشرة بعد المائة من سورة الكهف، وهي قوله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾
كلنا يعل أن دواة الحبر تكفي الإنسان عاماً بأكمله، وقد تكفيه عامين أو ثلاثة، أما لو أن الإنسان اشترى لتر حبر هذا اللتر يكفيه طوال العمر كتابة، فكيف إذا كان البحر كله مدادا لكلمات الله، كي نعلم ما معنى البحر ؛ القارات الخمس: أسيا، وإفريقيا، وأوربا، وأوقيانوسيا، وأمريكا، تشكل خمس اليابسة، وأربعة أخماسها بحراً، وأعمق نقطة بالبحر 12 كيلو متر، في خليج مريانا بالمحيط الهادي، فإذا كان أربع أخماس الأرض، القارات الخمس وما فيها من دول، وإفريقيا، وأوقيانوسيا، وأمريكا، وأوربا، كلها خمس البحر، و أربعة أخماس الأرض بحر، وفي أعماق متفاوتة، وعميقة، البحر كله مداد لكلمات الله.
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾
يوجد آية أخرى تشبهها.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)﴾
(سورة لقمان: 27)
غابات الأرض كلها أقلام، هناك غابات بالأمازون كلها عذراء لم يستطيع إنسان أن يدخلها.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾
هذا هو كتابنا هذا هو كتاب الله، تقرأ الآية ألف مرة، وفي كل مرة يتضح لك من معانيها ما كان خافياً عليك، وصف النبي كلام الله عز وجل أن لا يبلا على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وكلما زدته فكراً، زادك معناً وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، فهذا القرآن الكريم الذي هو منهج الله، الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه، ولا من خلفه، مهما تقدم العلم، هل رأيتم آية علمية صدمت آية قرآنية ؟ أما أي كتاب مهما على شأنه بعد حين ترى فيه أفكار مضحكة، أنا قرأت كتاب لعالم ملئ الأرض له سمعة، في حينه كان يظن أنك إذا أكلت طعاماً دسماً بخار الطعام يصعد إلى الدماغ، وكأن المعدة مفتوحة كالوعاء، وبخار الطعام يصعد إلى الدماغ، ويعطل التفكير، هذه الفكرة الآن تبدو ساذجة مضحكة، ما من كتاب على وجه الأرض تقرأه بعد خمسة أعوام إلا وترى فيه أشياء مضحكة، وغير مقبولة، القرآن الكريم مضى على نزوله من السماء 1500 عام، هل فيه آية قرآنية تصدم حقيقة علمية ؟ أبداً، لأنه كلام الله عز وجل، عندما قال ربنا:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
(سورة النحل: 8)
لو كان ما في.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
يركب الإنسان طائرة يركب سيارة شبح، لكن لما ربنا قال:
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
معناها كلام خالق الكون، لو أنه كلام النبي لغاب عنه ماذا سيكون.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
لذلك ربنا عز وجل قال:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109)﴾
آية قرآنية: مثلاً الله عز وجل قال:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾
(سورة الطارق: 11)
ماذا فهم العلماء من هذه الآية ؟ أن بخار الماء يصعد إلى السماء ويرجع مطراً، شي جميل، هذه الآية تتوافق مع حقيقة علمية، بعد حين وجدوا أن الأمواج الكهرطيسية إذا انبعثت من الأرض هناك طبقة اسمها الأثير تعيدها إلى الأرض، ولولا هذه الطبقة لما كانت هناك إذاعة تنطق، كل الإذاعات مبدئها أن هذه الأمواج تنعكس من طبقة الأثير إلى الأرض، لذلك أحياناً يضطرب الإرسال يقول لك هناك اضطراب في طبقة الأثير هذا معنى آخر.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾
ثم اكتشف العلماء أن كل الكون يتحرك، ولولا هذه الحركة لأصبح كتلة واحدة، من حركته تنشأ قوى نبذ، تكافئ قوى الجذب، لأن نظام الجاذبية كل كتلة تجذب الأصغر منها، لو كان الكون سكوني لأصبح كتلة واحدة، مادام في حركة، الحركة تنشئ قوة نابذة، الآن مبدأ النشافة بالغسالة، الحركة السريعة، الماء يخرج من الثياب إلى خارج المستودع، طيب هذا المعنى الأخير أن كل نجم بالكون يسير في مدار مغلق، مذنب هالي قبل سبعين عام بدى، وعاد بعد سبعين عام، بالدقيقة والثانية، لذلك الوصف الوحيد الجامع المانع، الشامل، والمطلق للكون أن كل كوكب فيه يدور حول كوكب آخر، بمسار مغلق، إذاً:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾
لهذا النبي عليه الصلاة والسلام إما بتوجيه من الله عز وجل، أو لاجتهاد منه لم يشأ أن يفسر الآيات الكونية، لماذا ؟ لأنه لو فسرها تفسيراً بسيطاً يتناسب مع عقول من كان، ومع معطيات العصر وقتها لأنكرنا عليه هذا التفسير، ولو فسرها تفسيرات حديثة جداً تقبلها عقولنا لأنكر عليه أصحابه هذا التفسير، الآيات الكونية تركت لتطور العلمي، فكلما تطور العلم كشف جانباً من عظمة هذه الآيات.
الآية الأخيرة في سورة الكهف:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾
أيام الإنسان يقرأ كتاب ثمين، يلاقي في كل فصل ملخص، في كتب لكل فقرة ملخص على الهامش، في كتب لكل فصل ينتهي الفصل بالتلخيص، الآن نحن أمام آية تلخص القرآن الكريم كله.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
هذا هو الدين، الدين كله توحيد، أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً هذه قضية لا قيمة لها، بسيطة كل الخلق يعلمون هذه الحقيقة، ولئن سألت عباد الأوثان، الذين عبدوا ألاّت والعزى.
﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
( سورة العنكبوت: 61 )
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
( سورة الزمر: 3 )
فالإيمان أن لهذا الكون خالقاً، هذه حقيقة معروفة، ويستوي فيها جميع الناس، لكن الإيمان الحقيقي أن تؤمن أن هذا الذي خلق الكون بيده كل شيء، هو الفعال، ليس خلاقاً فحسب، بل هو خلاق وفعال.
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)﴾
(سورة الزمر: 62)
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
(سورة الأعراف: 54)
لذلك الآية هنا:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110)﴾
يعني أدق ما في الآية، ما قيمة العقيدة الصالحة إذا ما في حركة، ما في التزام، ما في تطبيق، لو أنك قلت الشمس ساطعة هي ساطعة، إن قلت أو لم تقل هي ساطعة، إن قلت ساطعة، هي ساطعة إن قلت ليست ساطعة، هي ساطعة، إقرارك بها لا يقدم ولا يؤخر لكن ما الذي ينفعك من هذه الحقيقة ؟ أن تتعرض للشمس، أن تستفيد من ضوئها، أن تستفيد من أشعتها، أن تستفيد من دفئها، لذلك:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
هذه العقيدة، الآن:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾
العبرة أن تلقى الله عز وجل، أن تتصل به، أن تقبل عليه، أن تتوجه إليه، أن تلوذ به، أن تستعين به، أن تتوكل عليه أن تسمو نفسك إليه، حقيقة دون أن لا تستفيد منها لا قيمة لها.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾
الثمن:
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
يعني أحياناً لا يتاح لك أن تقابل زيد من الناس ولا بشهر، ما في عنده مواعيد، أيام طبيب بقلك لثلاثة أشهر، أيام رجل مسؤول بقلك ما في والله، لشهر محجوزة المواعيد، أما خالق الكون قال لك:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
لمجرد أن تعمل عملاً صالحاً خالصاً لله عز وجل تشعر أن الطريق إلى الله سالك، لذلك الله عز وجل لرحمته تعامله مع خلقه مقنن، واضح، يعني أي إنسان عمل عملاً صالحاً يجد نفسه مع الله عز وجل، يقبل عليه، الله جل جلاله يتجلى على قلبه بالسكينة، بالرحمة، بالطمأنينة، هذا الدين كله بهذه الآية، أن تؤمن أن الله واحد، وبيده كل شيء، خالق، بسيطة، إبليس عرفه خالق، هذا إيمان إبليسي اسمه، أنه خلق الكون، الكفار قالوا الله خلق السماوات والأرض، الأجانب والأمريكان ثقتنا بالله على الدولار موجودة، عما يفرمون العباد فرم بالعالم كله، لذلك العبرة أن تؤمن أن الله هو الفعال، بيده الأمر.
النقطة الثانية:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾
طيب عمل صالح من دون استقامة، لا يعطي ثماره.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
يعني يجب أن تسير على منهج الله، وأن تؤمن بالله، وأن تعمل عملاً يقربك من الله، والله هذه الآية تكفينا جميعاً، والله الذي لا إله إلا هو، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، الإيمان أن تؤمن أنه واحد، وفعال، وطريق الوصول إليه أن تستقيم على أمره، وأن تعمل عملاً صالحاً، فإذا فعلت وصلت إلى كل شيء.
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
عليه أن يطبق منهج الله وحده، استقم، واعمل صالحاً، وأمن بأن الله هو واحد وبيده كل شيء، وصلت إلى كل شيء.
والحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا وأكرمن ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.
والحمد لله رب العالمين

موسوعة فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة