بابور زمر و خش البحر بقلم منجي باكير

نعم قد تتشابه الأحقاب في الأوطان، تتشابه إذا ما كانت السّياسات هي نفسها أو حتّى أتعس، سياسات لا تواكب و لا تتحيّن و لا تعتبر و لا تقيم خصوصا وزنا للوطن و للمواطن، و تتشابه أكثر إذا ما “تشابه” السّياسيون و ساروا على نفس خطى أسلافهم خطوة بخطوة برغم إخفاقهم في فتح بوّبات الأمل للبلاد و العباد أو إذا كان و مازال هؤلاء السّاسة هم أنفسهم منذ عقود خلت جاثمين على صدر الوطن متشبّثين بكراسي حكمه برغم خيباتهم المزمنة و المتكرّرة.

“بابور زمّرْ” هو عنوان قصيد غنّاه ذات عام المرحوم الهادي ڤلّة، غنّاه بشجن لخّص وقتها تعاسة الوطن و أهله، وطن “شحن” أبناءه إلى بلاد برّة هربا من الظلم و الفقر و أملا في بعض حريّة و بعض حياة قد يجدها في بلاد برّة أو قد يخيب مسعاه مرّة أخرى، “بابور سافر علْ العين غاب”، “تحت الضّباب”، “محشي معبّي بخير الشباب”، “وسڤوه للأجنبي بلا حساب”، “مثل الدواب”، “الفرڨ بينه و بين البڤر”.

نفس الصّورة لهجرة شباب الوطن و زهوره تكرّرت مع الثّورة و هي اليوم تتكرّر بوتيرة أكبر، لكن بكيفيّة مغايرة، بابور و شباب الهادي قلّة كانوا بجوازات و بتأشيرات، لكنّ “ابورات” هذه الأيّام هم على منوال (الحَرْقة التي تخلّف غالبا كثيرا من الحُرقة) و مآسي بالجملة، بابورات بدون أدنى شروط السّلامة تُحشى حشوا لتُلقى في البحر ليلا أو نهارا في طقس صحو أو مغيّم، بابورات تحمل في بطنها عشرات و مئات الشباب و الأطفال و العائلات قامرت بحياتها رمت بأنفسها في أحضان المجهول الذي قد يوصلها إلى يابسة الضفّة المقابلة أو قد يقطع ذاك الحلم غرق شنيع أو رصاص منهمر يقضي على الأحلام و البشر، حرّاقة في بابور لا “يزمّر” لكنّه يخوض غمار البحر خلسة حاملا بين جنبيه شبابا و شابّات، عائلات و أطفال تعبوا و ملّوا و طال إنتظارهم لصبح ينبلج بعد طول عتمة، فقر مدقع، بطالة خانقة، أوضاع إجتماعيّة و صحيّة مزرية.

لكنّ إنتظاراتهم طالت و طالت دون أن أن يلوح لهم أدنى أمل في الأفق البعيد و لا القريب حتّى، فهانت عليهم أنفسهم و ألقوا بأرواحهم في عرض البحر يطاردون حلما في بلاد برّة، ينشدون وضعا أفضل قد يوفّره لهم الغريب بعد أن حرمهم منه القريب، يطلبون حقّهم في وطنهم (في أوطان الآخرين).

أترك تعليق

تعليقات

عن ليلى العود