“القطيعة بين التونسيّين و المؤسسات العمومية، إلى أين” بقلم المهندسة أماني بوزيد

تناقلت وسائل الإعلام، أمس الأربعاء الرابع من شهر أكتوبر، خبرا مفاده أنّ مجهولين قد أقدموا على التسلل إلى قسم الإستعجالي بالمستشفى الجامعي بولاية المدنين و قاموا بتهشيم بلور عدد من سيارات الإسعاف تاركين خلفهم رسائل تهديد و وعيد للإطار الطبي.

رغم فداحة الحادثة إلاّ أنّه لا يمكننا أن ننكر أنّ الرأي العام التونسي قد تعوّد، أو كاد، سماع أخبار من هذا النوع، حيث أنّ شهر سبتمبر قد شهد أكثر من تجاوزين في حقّ الإطارات الطبية و المعدّات الصحية في مستشفيين مختلفين، كما وعرفت تونس خلال الأشهر الفارطة و منذ نهاية العام الفارط تجاوزات مختلفة في حقّ المربين و الأساتذة، و المدارس و المعاهد و البلديّات في أحيان أخرى انضافت إلى كلّ أشكال عدم الإحترام و التقدير التي يكنّها الأغلبية من التونسيين تجاه المرفق العمومي و كلّ ما يتّصل به.

و رغم أنّ السلوكات السلبية و الغير سليمة التي تصدر من عامّة الناس في تعاملهم مع المنشآت العمومية و المصالح العمومية، تعدّ مشكلا موجودا منذ سنوات طويلة في تونس و مشكل موجودا بداهة في عدد لا بأس به من الدول و المناطق الأخرى، إلّا أننا لا يمكن أن نتغافل عن حقيقة أنّه في السنة الأخيرة (أو أكثر قليلا) تجاوز المشكل في تونس حجم و حدود المشكل العابر أو البسيط بل تضخّم ليتحوّل إلى أزمة حقيقية لا يمكن التهاون في تشخيصها و معالجتها.

عنف التجاوزات الأخيرة و حيثياتها و أبعادها المدروسة و المقصودة من قبل المتجاوزين، لم تعد فقط تعكس عدم وعي العامّة من الناس بمسؤوليتهم في حماية كلّ ماهو عمومي، بل صارت تعكس إحساسا بالغربة و القطيعة بين عامّة الناس و بين الدولة أو السلطة ممثّلة في قطاعها العمومي و هياكله.

هذه الغربة التي سمعناها في أكثر من مناسبة في وسائل الإعلام على لسان المستضعفين أو المظلومين من قبل “ما يربطنا بتونس كان بطاقة التعريف” و “شنو الفرق بين الحكومة و بين داعش مادام الحكومة تقطعنا في أرزاقنا” و غيرها و غيرها من التصريحات الموجعة صارت مجسّدة اليوم فعليا في عمليات تهديد و تكسير و “غورة” حقيقيّة على الحقوق في ظلّ العجز السياسيّ الذي تعرفه البلاد.

لنكون واقعيين و متصالحين مع واقع المرحلة التي تعيشها البلاد، علينا أن نعترف أنّ ما وصلنا إليه يكادُ يكون نتيجة طبيعيّة و ربّما متوقّعة إلى حدّ بعيد، ماذا كنّا ننتظر ممّن يعايش كلّ يوم و منذ أكثر من ستّة سنوات عجزا سياسيّا متفاقما كلّ يوم بشكل كاريكاتوري غريب، ماذا ننتظر ممّن يعايش كلّ يوم زيادة تردّي الأوضاع الإقتصاديّة و تردّي المقدرة الشرائيّة مع تزايد عدد المعطلين عن العمل و مع سوء الخدمات العموميّة المتزايد هو الآخر من تعليم و صحّة و طاقة و غير ذلك.

كان ما يعيشه التونسيون كافٍ جدّا لإيجاد وضعية إحتقان عامّ، فكيف إذا ما أضفنا للمشهد دور كبرى الماكينات الإعلاميّة في تونس و الذي تجسّد بشكل ملفتٍ في توتير العلاقة بين عامّة الناس و بين طلبة الهندسة وطلبة الجامعات العمومية في البداية، ثم بين عامة الناس و المربين و الأساتذة، ثمّ المحامين، ثمّ الأطباء و الإطارات الطبية و هكذا و هكذا.

مع كلّ قطاع تحرّك لتحسين الأوضاع و المطالبة بإصلاحات، كانت الجهات الإعلاميّة نفسها، تشيطن المنتمين لهذا القطاع المطالبين بالتغيير، خدمة للحكومة و لمصالح جهات سياسيّة حاكِمة، دون أن تعي بخطورة الهوّة التي أوجدوها و التي تباعد بين المنتمين لهته القطاعات و بين عامّة الناس و تبعات الشيطنة و الفتنة الإعلامية.

و لكن و إن كنّا نفهم مسبّبات الأزمة و الظروف التي أدّت إلى ظهورها بالشكل الذي نراه اليوم، إلّا أنّه لا يمكن بأي شكل من الاشكال قبول تواجد هذه الأزمة أو استمراريّتها، بل إنّه من الواجب على الجميع المشاركة في التصدّي لها.

كانت مواجهة هذه الأزمة لتكون أسهل بكثير لو أنّ الواقع السياسيّ كان على غير ماهو عليه اليوم، حيث أنّ إصلاح المنظومة السياسيّة و تغيير النظام السياسيّ الحاكم كان سيمثّل معالجةً صحيحةً لجذور المشكل، الأمر الذي سيرمي بظلاله على بقيّة فروع و تمثيليّات السلطة التي تتجسّد في المنشآت و المصالح العمومية التي ستستعيد إعتبار و ثقة عامّة الناس فيها و بالتالي حمايتها كشكل من أشكال حماية أنفسهم.

و لكن و مع ما تعرفه الساحة السياسيّة من إقصاء للقوى الثورية و سيطرة “المتوافقين” على مراكز القرار، و مع إحتدام الصراع بين المتوافقين أنفسهم كلّما تعمّقت ملامح العجز السياسيّ و أيضا مع بلوغنا ذروة التجاذبات بين الأقطاب السياسيّة الحاكمة نظرا لاقتراب موعد الإنتخابات البلدية، فإنّ التعويل على السلطة، بما تملكه من نفوذ و آليات، لمجابهة الأزمة يبدو ضربا من ضروب المغالطة السياسيّة و الشعارات اللاعمليّة و اللامتلائمة مع مقتضيات المرحلة التي نعيشها.

و لعلّ هذه الحقيقة، كانت بشكل أساسيّ السبب في حالة الإحباط التي نلحظها أينما نظرنا، حالة إحباط عامّ تبتلع كلّ حساسيّات و أطراف المجتمع بدون إستثناء، الشباب و الأساتذة و الأكاديميّين و عامّة الناس، تتجسّد في الإنهزاميّة و التسليم الذي يعلنه الجميع و عقليّة “البلاد ماشية للهاوية، و هذا كلّ شيء”.

نعم، مجابهة الأزمة أمرٌ منوط بالسلطة التي لها كلّ الآليّات و المتاح السياسيّ لإيجاد الحلّ، و لكن فساد السلطة و تورّطها بأشكالٍ مختلفة في تعميق المشكل، يجعلُ من الواجب التنبيه و التنديد بركون بقيّة أطراف المجتمع لحالة الإحباط هذه و التنديد بشكل أوضح بخطورة تخلّي بقيّة أطراف المجتمع عن واجبهم في مواجهة هته الأزمة و غيرها من الأزمات التي تزيد وضع البلد سوءً يوما بعد يوم.

فسادُ السلطة لا يسقط عن المربّي مسؤوليّته أمام الله و أمام بقية التونسيّين، في تنشئة جيلٍ واعٍ و صالح و في زرع روح الإنتماء فيهم، كما لا يسقط عن الأكاديمييّن في كلّ الإختصاصات واجبهم في توعية الشباب و الطلبة بدورهم في الإصلاح و العمل على تأسيسِ جيلٍ جديد بنظرة تشاركيّة جديدة تقصي مخلّفات النظام السابق و ثقافة الانتهازية و اللاانتماء التي ورّثها.

و أيضا فسادُ السلطة و ماكينتها الإعلاميّة، لا يسقط عن المخلصين من الإعلاميّين و الصحفيين واجبهم في تبليغ الصورة الحقيقة و السعي إلى توحيد رؤية و صوت التونسيين على ما ينفعهم و لا على الأئمّة دورهم في الدعوة للخير و لإيجاد الثوابت الإسلاميّة في المعاملات
و بالمثل في جميع المجالات، تحديدا منها التي تعرف إحتكاكا كبيرا بين عامّة الناس و بين المختصّين و الموظّفين العموميّين.

الإطارات الطبية و الشبه طبيّة، هي جزء لا يتجزّء من النسيج المجتمعي، لهذا فهي لا يمكن إلّا أن تصطفّ في جانب عامّة الناس بوصفها هي نفسها أحد المتضرّرين من الفساد الذي يضرب قطاع الصحّة، و لهذا فإنّ من واجبها كما من واجب المرضى عدم إفتعال مشكل وهمي بين الطرفين و العمل على تجاوزه بالحوار و المعاملة الحسنة المتحضّرة، للتركيز على أصل المشكل ألا وهو التهميش السياسي لقطاع الصحّة، ومحاولة تخفيف الأوضاع المتردّية على الناس لا زيادة تعقيدها، مهما كانت هذه المهمّة صعبة و معقّدة.

إنّ تكاتف جهود الأكادميين و المثقّفين و المدوّنين و الإعلاميين و الأئمّة و كلّ جزء من أجزاء النسيج المجتمعي للتوعية و التنبيه إلى أهمية حماية المنشآت العموميّة و المصلحة العامّة للتونسيّين كفيل بأن يخفف من تبعات هذه الأزمة و يلجمها.

فكما إستطاع التونسيّون التصدّي لأزماتٍ عديدة و متنوّعة، رغم تقصير السلطة في حلّ تلك الأزمات و أحيانا تورّطها في إيجادها، يستطيع التونسيّون دائما، بتظافر كلّ الجهود، التصدّي لهذه الأزمة و غيرها، و تمثيل حزام أمان يحمي البلد من تبعات التهريج السياسي الذي نشهده.

إنّ السلطة السياسيّة لم تتدخّل لفضح الفساد السياسي و التجاوزات التي عرفتها الإنتخابات، و لم تتدخّل لإيقاف حالة “الإنتفلات الأخلاقي” التي عرفتها وسائل الإعلام “الموالية” و موجة التهكّم و التطاول على المقدّسات و على معتقدات التونسيين، كما لم تتدخّل لوضع حدّ للتدجيل الإعلامي باسم الإحصائيات و سيغما كونساي الشهيرة، و لم تتدخّل للقضاء على ظاهرة الرشوة في الإدارات و المصالح العمومية، و لم تتدخّل فعليا حتّى في مجابهة موجة التطرّف و الجهل باسم الإسلام و لا في محاربة و مواجهة مظاهر العنف و المتاجرة بالدين و ساهمت بشكل مريب في تعزيز الإرهاب و التضحية بالأمنيين و الجنود في اكثر من مناسبة.

لم تساهم السلطة في إيجاد حلّ لكلّ هذه المشاكل و الأزمات و لكن التونسيين قد فعلوا، و قد ساهم إيمانُ كلّ منّا بدوره في التغيير من جهته، في وضع حدّ لهذه الأزمات و لتبعاتها السلبية أو لتقليصها في أسوء الأحوال.

لهذا و ختاما، من المهمّ التأكيد على أنّه من واجبنا جميعا المراهنة على دورنا في مواجهة واقع البلاد و التصدّي لما يواجهه من أزمات و خذلان سياسي و من واجبنا جميعا التصديق بقدرتنا على إحداث الفارق و النهوض بنا أجمعين، تصديقا لقوله عليه الصلاة و السلام “صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس و إذا فسدا فسد الناس، السلطان و العلماء” فما لم نقدر على إصلاحه بالسلطان و السلطة نقدر عليه بالتوعية و الدعوة إلى الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بتلبّس كلّ منّا بدوره مهما كان إختصاصه و علمه.

أترك تعليق

تعليقات

عن آماني بوزيد

أماني بوزيد عضو إدارة التحرير بموقع الصدى من مواليد جوان 1991 , أصيلة ولاية سوسة , مهندسة إختصاص إعلامية متحصلة على عدة شهادات في مجال التنمية البشرية : قوة التفكير , القيادة السياسية , ...