الفسادُ حاضنةً ثقافية للإرهاب / بقلم محمد هنيد

“الدواعش في كل مكان تقريبا” أو هكذا يحلو للإعلام الدولي بأذرعه العربية أن يوهمنا حيث غدا مصطلح الدواعش المصطلح الأكثر تداولا في كل المواقع والصحف ونشرات الأخبار بشكل لافت ومريب خاصة مع تزامن ذلك مع ثورات الربيع العربي. أصبح الإرهاب الشغل الشاغل للمجتمع الدولي وللمنظومات الاستبدادية المرتبطة به وصار كذلك موضة ثقافية وتحليلية لمراكز البحوث والدراسات التي تصنع القرار السياسي أو تساهم فيه بشكل استشاري أو استشرافي.

لكن قراءة الظاهرة الإرهابية تختلف من جهة الزاوية التي تُباشرها سواء تعلق الأمر بالقوى الدولية أو بالأنظمة الاستبدادية العربية وأذرعها الايديولوجية والإعلامية والفكرية. فبالنسبة للقوى الدولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا فإن المصلحة الاقتصادية والرغبة التوسعية هما اللتان تحددان مدى استثمارهما في الظاهرة الإرهابية وربطها مباشرة بالعقيدة الإسلامية وبالمسلمين والعرب وإن بشكل مبطّن أحيانا.

أما بالنسبة للدولة الاستبدادية وللنظام القمعي العربي فإن استثماره في هذه الظاهرة يعود إلى ما قبل ثورات الربيع العربي وخاصة بعد أحداث أيلول سبتمبر 2001. فقد كان الإرهاب ومقاومة الإرهاب هبة سخيّة للدكتاتوريات العربية من أجل إحكام القبضة الأمنية على الداخل ومن أجل مزيد قمع الحريات وضرب المعارضات الوطنية. لكن إذا كانت ثقافة القمع تسمح من جهة أخرى بتفعيل ردود أفعال المعارضة فتنشّط مطلب الحرية والحق في التعبير وفي المطالبة بالحريات الأساسية فإن الإرهاب يجد جذوره العميقة ضاربة في عمق ثقافة الفساد بما هي منبت خصب للسلوك الإرهابي ولكل أشكال التطرف والغلو.

الفساد يتحرك في اتجاهين أساسيين داخل الدولة الاستبدادية العربية. فهو يسمح في البداية للطبقة المتنفذة بحماية مصالحها وبنهب الثروات وتكديس الامتيازات وصناعة مجموعة متحكمة في القسم الأكبر من الاقتصاد المحلي عبر شبكة معقدة من المصالح والامتيازات. وهو بهذا الفعل الداخلي يُطمئن من جهة أخرى شركات النهب العالمية على ثرواتها ومصالحها في الدولة المتخلفة مثلما هو الحال في تونس أو مصر أو ليبيا مثلا باعتبار النظام القمعي وكيلا للاستعمار العالمي.

الفساد إذن هو أداة الاستبداد بما هو حارس أمين لقوى النهب العالمية المتحكمة في ثروات الشعوب ومصائر أبنائها. هذا الفساد لا يقتصر على استهداف الثروات بل يستهدف خاصة تدمير شبكة القيم والسلوكات الفردية والجماعية التي عليها تتأسس الدولة والمجتمع والأسرة.

الفساد وقد تحول إلى ثقافة مجتمعية وإلى ممارسة يومية معلَنة يمثل في الحقيقة الحاضنة الرئيسية للعنف والتطرف والإرهاب. تونس مثلا ـ والتي تشكّل أول مصدّر للدواعش في المنطقة العربية مقارنة بعدد السكان ـ بلغ الفساد فيها مراتب مرعبة وتحول إلى ثقافة وطنية وصلت إلى عمق المجتمع العميق إلى حدّ وصل فيه الأمر إلى تسعير الوظائف العمومية بسعر معيّن يقدّم رشوة من أجل الحصول على العمل.

هذه العينة وغيرها كثير لا تمثل إلا قطرة صغيرة في محيط الفساد الكبير الذي تسبح فوقه البلاد وهو ما تحوّل إلى تربة خصبة لردود الأفعال الناقمة خاصة لدى الفئة الأكثر هشاشة وهي فئة الشباب.

المرء لا يولد إرهابيا بل يتكوّن لدى الشباب خاصة ـ وبفعل عوامل كثيرة ومعقدة على رأسها هيمنة الفساد وغياب العدل ـ رفضٌ كبير للواقع اليومي الذي يتحالف فيه الفساد مع الفقر والظلم والقمع فتتداخل العوامل النفسية مع العوامل الاجتماعية لتخلق ردود الأفعال المرضيّة المتفجّرة والممثلة في التطرف والالتحاق بالجماعات الإرهابية.

الحالة لا تعدو أن تكون هروبا من الجحيم اليومي إلى الموت المحقق وهي لا تختلف في رمزيتها عمّا فعله شهيد تونس محمد البوعزيزي عندما أحرق النار في جسده في تعبير أقصى عن رفض الواقع وعن الألم العميق من الإحساس بالقهر والظلم الناجم عن الفساد والممارسات المرتبطة به.

بل إن الأخطر من ذلك اليوم هو استثمار الثورات المضادة في الظاهرة الإرهابية مع الإيهام بمحاربتها ومحاولة القضاء عليها في حين لا تستطيع الدولة العميقة أن تنقلب على المُنجز الثوري وعلى مطالب الجماهير بمحاربة الفساد وتطبيق القانون إلا بتأجيج الظاهرة الارهابية وهو ما نجحت فيه الأنظمة الاستبدادية العربية عندما خلقت ما يسمّى “الإرهاب الصناعي” الذي تديره وتسيطر عليه أجهزة مخابراتها بتوجيه خارجي.

الفساد هو الإرهاب ومن أراد فعلا القضاء على هذه الظاهرة الإجرامية من جذورها فعليه أن يحارب شبكات الفساد التي تحوّلت إلى دولة داخل الدولة خاصة في مصر وتونس وأصبح سادة البلاد هم كبار مفسديها من رجال العصابات وهياكل النهب المرتبطة بهم.

لكن كيف يمكن محاربة الفساد في ظل أنظمة استبدادية جعلت منه ثقافة وطنية وتحوّل إلى سلوك راسخ عند الفرد وعند الجماعة وقد ضرب بعمق في كل قطاعات الدولة السيادية من التربية والتعليم إلى الصحة إلى الجمارك إلى الشركات الوطنية بشكل ينبئ بانفجار كبير قد يكون الإرهاب أصغر مظاهره.

عربي 21

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة