الخطاب الإعلامي التوعوي بين الشريعة والقانون /مع د. زغلول النجار

الخطاب الإعلامي التوعوي بين الشريعة والقانون /مع د. زغلول النجار

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

كان الإعلام – ولا يزال – عاملا مؤثرا في حياة الناس (أفرادا وجماعات), وقد تنامى تأثيره تناميا مذهلا في ظل النهضة العلمية والتقنية المعاصرة التي أعانت على تعدد أساليبه, وتنوع أشكاله ووسائله, حتى أصبح عاملا أساسيا في تغيير مفاهيم وأفكار الجماهير. من هنا كان من الشروط اللازمة لنجاح الإعلامي استشعاره بمسئوليته أمام الله وأمام الناس عن كل ما يحمله إليهم. ونتيجة لافتقار غالبية أهل الأرض اليوم للدين الصحيح, فإن إعلام اليوم فقد رسالته الحقيقية لفقده للضوابط الشرعية, على الرغم من كثرة القوانين, والتشريعات, والضوابط المهنية, والمواثيق التي وضعت من أجل تحقيق ذلك, لأن هذه كلها يمكن التحايل عليها, وخرقها في غيبة الإيمان بالله . فالخطاب الإعلامي التوعوي المعاصر يركز على المكاسب المادية العاجلة وينسى أمانة الكلمة وأدب الخطاب حتى أصبح يعاني من تضارب الآراء وتباينها, وضياع الأمانة وفقدها.
والإعلام هو أحد العلوم الاجتماعية الهامة والمتنامية في زماننا, وهذه العلوم سادها في العالم الغربي تطور مذهل, رافقته فوضى عارمة في كل شيء. وكان من أسباب هذه الفوضى انعدام مصادر التلقي الصحيحة نتيجة لضياع أصول الدين الذي يؤمنون به وسيادة التوجهات المادية المنكرة للدين. وانبهارا بتقدم الغربيين التقني في هذا المجال بدأ غالبية الإعلاميين في بلادنا تقليدهم بغير بصيرة حتى أصاب عالمنا الإعلامي شيء من هذه الفوضى, خاصة أن السمات الغربية للإعلام كانت قد ترسخت في عالمنا الإسلامي في ظل الاحتلال الغربي لغالبية بلاد المسلمين , وتمكين المحتل لأعوانه من جميع وسائل الإعلام في تلك البلاد. من هنا كانت أهمية وضع الضوابط الشرعية للخطاب الإعلامي التوعوي في ديار المسلمين .
ففي العالم الغربي انطلق الإعلام بدعوى الحرية من منطلقات مادية بحتة بدون أية ضوابط دينية أو أخلاقية , لا تحكمه في ذلك إلا المصالح المادية الآنية العاجلة, والمؤامرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعددة. وانبهارا بنجاحات الغربيين التقنية انتقل هذا الخلل في السلوك إلى الكثير من وسائل إعلامنا الراهن. والحرية هي من المبادئ الرئيسة في التشريع الإسلامي, ولكن الحرية التي تمارس بغير ضوابط تشريعية دقيقة تنتهي بصاحبها إلى الفوضى كالفوضى التي تسود إعلام اليوم . فقد وصل الإعلام في ظل الحضارة المادية المعاصرة إلى قدر من التحلل والإسفاف الذي يؤثر تأثيرا سلبيا على قيم المجتمع وأخلاقياته ومصالحه. ويكفي لتأكيد ذلك استعراض مختلف صور الإعلام المقروء, والمسموع والمرئي, ليتضح مدى تدهورالإعلام المعاصر اليوم في ديار المسلمين . فإعلام اليوم – في غالبيته – لم يعد ملتزما بالمصداقية والصراحة , ولا بالحيادية والبراءة , ولا بالموضوعية وطلب الحقيقة, بل على النقيض من ذلك أصبح هدفه هو تضليل جموع الناس تضليلا بلغ قدرا هائلا من التخفي والتستر بكل إمكانات العصر وتقنياته , وذلك من أجل خداع المتلقين , وقلب مفاهيمهم , وتغيير أولوياتهم , والتحكم في قراراتهم . ويتم ذلك بشطط جامح , لا يبالي أصحابه بما يكتب حتى تجاوزوا كل حدود أدب الخطاب, وأبسط قواعد اللياقة والذوق , وأول معاني أمانة الكلمة . وكان نتاج ذلك كل قبيح ممجوج يدعو إلى سوء الفهم, وتشويه الصورة, والإساءة إلى كل حق بلا أدنى دليل . وعلى ذلك فإن من أولويات إعلامنا اليوم هو وضع الخطط المناسبة لمواجهة هذا السيل الإعلامي الجارف للغزو الفكري الذي يواجه الأمة بأسرها بدعاوى كاذبة من مثل دعاوى العولمة, وصراع الحضارات, ونهاية التاريخ. وهنا لا بد وأن يتجاوز دورنا الإعلامي مرحلة التقليد الأعمى للإعلام الغربي في حدود ما يسمى بالتثقيف, ونقل الأخبار أو التسلية والمتعة .
من الضوابط الشرعية للإعلام الإسلامي
(الإعلام) لغة هو مصدر من الفعل (أعلم) من (العلم) الذي هو إدراك الشيء على حقيقته, والفعلان (أعلم) و (علَمَ) هما في الأصل واحد إلا أن الإعلام اختص بالإخبار السريع, والتعليم اختص بما يكون في التعهد بالتربية حتى يكتسب المتعلم قدرا من العلوم, أو مهارة من المهارات . وانطلاقا من هذا الأصل اللغوي يعرف الإعلام بأنه وسيلة إحاطة الغير علما بشيء ما ليدركه على حقيقته. ومن هنا كان فهم الإعلامي لرسالته الحقيقية وهي الدعوة إلى الحق, وتزوده بكل من العلم والخبرة في التحليل, والالتزام بالصدق والأمانة في التبليغ, والقدرة على التثبت والتبين للحقيقة من أجل تحقيق ذلك, هي من ركائز الإعلام الناجح. ويعرف هذا الإعلام بأنه فن تزويد الناس بالأخبار الصحيحة, والمعلومات الدقيقة, والحقائق المجردة التي تعينهم على تكوين الرأي السليم. ويستلزم ذلك دراسة موضوعية لنظريات الإعلام الرئيسة, وقواعد البحث العلمي فيها, ونماذج الاتصال المتعددة لها, مع الجمع بين الأصالة والمعاصرة, والانفتاح على أحدث معطيات الفكر وتقنيات العصر. وعلى ذلك فإن الإعلام يمثل وسيلة من وسائل تشكيل مفاهيم القطاع الأكبر من أفراد المجتمع – على تباين أعمارهم ومستويات ثقافاتهم– وذلك لأن الإعلام هو نشاط إنساني للتواصل مع مختلف أفراد المجتمع عبر العديد من الوسائل المؤثرة في سلوكياتهم. ومن هنا تتضح خطورة الإعلام إذا لم يكن ملتزما بالضوابط الدينية والأخلاقية للمجتمع الذي ينشر فيه , وإذا لم يكن مرتبطا بميثاق من الشريعة يؤدب القائمين عليه, ويضبط سلوك كل فرد منهم
فمن تكريم الإسلام للإنسان منحه الحق في التعبير عن آرائه, وأفكاره, ومشاكله بحرية كاملة, دون المساس بحقوق وحريات الآخرين, وذلك لأن كلا من حرية الرأي وحرية التعبيرهي من الحقوق التي كفلها الإسلام لكل فرد في المجتمع, ثم تضمنتها جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان .
وانطلاقا من ذلك, فإن الإسلام كما يرعى المصالح الدينية والنفسية والمادية لكل فرد في المجتمع, وللمجتمع كله, يقرر حرية الفكر والرأي والتعبير لكل فرد يعيش في كنفه , كما يقرر واجب الدعوة بما يعرفه كل صاحب علم, وإلا تحمل إثم كتمانه . وفي ذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : “من سن سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا, ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيئا” (ابن ماجه) .
والإعلام الإسلامي بطبيعته هو إعلام هادف, له رسالة منضبطه بتعاليم الإسلام, فلا يقدم شيئا يخالف أمرا من أوامر الله أو أوامر رسوله (صلى الله عليه وسلم), وذلك في أي مجال من مجالاته الثقافية , أو التعليمية , أو الترفيهية , دون أن يحرمه ذلك من الاستفادة بجميع الوسائل والتقنيات والأساليب الحديثة اللازمة لتحقيق نجاحه .
وليس المقصود بالإعلام الإسلامي هو زيادة كم التثقيف الديني فقط , لأن ذلك له مراكزه في المجتمع المسلم, ولكن المقصود هو أسلمة الإعلام بكل وسائله وأساليبه ومحتواه حتى يصبح وسيلة تنوير وهداية للمجتمع المسلم الذي يصفه ربنا (تبارك وتعالى) بقوله العزيز: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ*} (آل عمران:110).
ويقول: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ*وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ*} (ابراهيم24-26) .
ويقول (سبحانه): { مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ*} (فاطر:10).
ويقول: { وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ*} (العصر:1-3).
وفي ذلك المقام نجد من أقوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما يلي:
– “من دل على خير فله مثل أجر فاعله” (مسلم) .
– “من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه , لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا, ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه, لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا” (مسلم) .
– “…لأن يُهدى بك رجلٌ واحد خير لك من حمر النعم” (البخاري) .
-” ما كان الفحش في شيء إلا شانه, وما كان الحياء في شيئ إلا زانه”(الترمذي).
-“كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم؟ قالوا : يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم, وأشد منه . كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف, وتنهوا عن المنكر؟ قالوا : يا رسول الله وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم , وأشد منه. كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا ؟ ” . (ابن المبارك).
-” عن حذيفة بن اليمان(رضي الله عنه) أنه قال: “كان الناس يسألون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن الخير, وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني, فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر, فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم, قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم, وفيه دخن, قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي, تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم, دعاة إلى أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت: يا رسول الله صفهم لنا, فقال: هم من جلدتنا, ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها, ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” .
وفي غالبية الإعلام المعاصر شاعت الفواحش, وكثرت المواقع الإباحية على شبكة المعلومات العنكبوتية , وفي العديد من وسائل الاتصال الأخرى. وزادت معدلات الجريمة,وتعددت وسائل التعذيب للإنسان يصورة فاقت كل الحدود وغرقت البلاد في دماء الأبرياء. وتؤكد الدراسات المجتمعية العديدة أن الإعلام غير الملتزم يلعب الدور الرئيس في شيوع كل هذه الفواحش, ويقف وراء كل هذه السلوكيات الخاطئة, والمعتقدات الفاسدة والحروب الباردة والساخنة .
من هنا كانت ضرورة المبادرة بإصلاح الإعلام التوعوي في العالم الإسلامي, وذلك بوضعه في أطره الإسلامية الصحيحة المنضبطة بحقيقة الإيمان بالله, والثقة في الشريعة الإسلامية وبكل الضوابط الأخلاقية والسلوكية التي حددتها, حتى يستطيع هذا الإعلام القيام بدوره في إصلاح المجتمع, ومواجهة كل التحديات أمام أمة الإسلام .

مراجع :
1- النجار, زغلول راغب محمد(2011):”رسالتي إلى الأمة”, دار نهضة مصر- ألقاهرة.

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة