الحرب تدق أبوابها في شبه الجزيرة الكورية، بقلم فتحي الجميعي

على إثر انهيار الوطن الأم، إنقسمت كوريا إلى جزئين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، أما الأولى فقد حافظت على هويتها وثبتت على طبعتها الشيوعية، مقاومة كل أشكال الهيمنة والامبريالية، مفتخرة بنهج أجدادها نهج مقط الرأس مالية والعداء له فصنعت شعبا “فولاذيا” لم يتيها ولم يتفكك رغم الحصار والقيود المفروضة عليه متجذرا في ماضيه وحاضرته، معتزا بتركة أسلافه، رسم نهجا له في الحياة، فشق طريقه على خطى سابقيه، فانتهج الشيوعية وامن بها سلوكا و منهاجا وتطبيقا.

أما الثانية فقد أثرت الرأسمالية على توحشها وتصادمها مع نهج الآباء والأجداد وفضلت الوصاية والحماية من قيل الولايات المتحدة الأمريكية وانفتحت على الغرب فرغم شح الموارد الطبيعية وضعف اقتصادها وفقر شعبها، لم تستسلم كوريا الشمالية ولم تضعف أمام الحصار الشامل والطويل وعولت على إمكاناتها رغم بساطتها و أمنت بصمود شعبها، أمام كل الإغراءات لجارتها كوريا الجنوبية والغرب معا في المقابل واصلت بناء قوتها العسكرية ضاربة عرض الحائط بكل الاتفاقات الدولية الجائرة مؤمنة بأن الكرامة في الدفاع المستميت عن الهوية وعن الوطن، مفتخرة بثبات أبنائها على المبدأ، أبناء رفعوا شعارا نموت واقين ولن نركع لقد استفادت من تجارب العراق وليبيا، فهي لا تريد ارتكاب حماقات وأخطاء فادحة على غرار العراق الذي هدم إمكاناته العسكرية الرادعة فأصبح لقمة سائغة لدى جيوش الغرب فأستبيح الشعب والأرض وأعدم الرئيس، أو القذافي الذي تخلت عنه أمريكا بعد أن سلمها على طبق من ذهب كل ممتلكاته من اليورانيوم المخصب وبرنامجه للأسلحة الكيماوية فسيق إلى الموت غير مأسوف عليه من قبل البلدان ذات الطابع الرأسمالي.

أما اليوم فإن طبول الحرب بدأت تدق بين الأختين العدوتين وأصبحتا اقرب إلى الحرب أكثر من أي وقت مضى خاصة بعد أن اشتدت الأزمة بين الطرفين على إثر سلسلة إطلاق الصواريخ الغابرة للقارات وتخليفها في المجال الجوي الياباني، هذه القوة الصاروخية التي تستهدف بالدرجة الأولى القواعد الأمريكية المنتشرة على أراض كوريا الجنوبية والقوة البحرية على حد السواء.

إن الذي زاد الطين بلة هو اختبار الجيش الكوري الشمالي لقنبلة نووية أو هيدروجينية ذات طاقة تدميرية كبيرة ردا على مواصلة تشديد الحصار على بلاده والذي أصبح يستهدف القوت اليومي لشعب بلاده.

المؤشرات و الدلائل تبين أن الحرب قائمة لا محالة في شبه الجزيرة الكورية و الأراضي الأمريكية إذا طالتها القوة الصاروخية الكورية خاصة بعد المناورات العسكرية المشتركة بين القوات العسكرية الأمريكية و القوات العسكرية لكوريا الجنوبية و نصب منظومة الصواريخ الأمريكية على أراضي حليفتها، و في المقابل قيام القوات الروسية و القوات الصينية معا بتدريبات عسكرية بالقرب من أراضي كوريا الشمالية، فهل هو الفيتو في وجه الإدارة الأمريكية لعدم ضرب كوريا الشمالية و تنبيهها بأنّ إستهداف هذا البلد هو خطّ أحمر لا سبيل لتخطيه.

أم أنه إعلان صرّح من قبل القوّتين العظميين روسيا و الصين بأنهما جاهزات للدخول في حرب ضد أمريكا و حلفاءها و حماية حليفتهما التاريخية، فهل يعود بنا التاريخ إلى الصراح الإديولودي بين معسكري الشرق و الغرب، و هل تندلع الحرب آجلا أم عاجلا ليطلق عليها حرب المصالح و النفوذ تستخدم الصواريخ الحاملة للرؤوس النووية، و هل تستخدم القنابل النووية أو الهيدروجينية بدعوى الدفاع عن النفس، و هل تنتشر رقعة الحرب فتصبح حربا كونية ثالثة، و هل تكون الشعوب في مواجهة مع الزمن، في مواجهة مع العدم و في مواجهة مع الموت.

الذي لا يجب أن يغيب عن السياسيين هو تجويع الشعوب، فأكبر ظلم هو تجويع و استهداف الشعوب كنتيجة لتصرّف قادتهم و تجويع شعب كوريا الشمالية هو أكبر خطر على الأمن و السلم الدوليين، فنقمته تزداد و صبره ينفذ و إحساسه بالظلم و الإذلال يتضاعف و اندلاع الحرب نتيجة حتمية لذلك.

فهل تتغلّب الحكمة و تعالج و يرجّح العقل القضية بالطرق الدبلوماسية أم يقابل التحدي بالتحدّي فتشتعل حربا لا نعرف بدايتها و لا نهايتها و لا نتخيل عواقبها الوخيمة على البشرية.

أترك تعليق

تعليقات

عن نجـــوى الـــذوادي