الإعجاز العلمي في الآية “وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ.. “/ مع د. زغلول النجار

الإعجاز العلمي في الآية “وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ.. “/ مع د. زغلول النجار

 

قال تعالى: ﴿وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏﴾‏ (يوسف‏:43)
هذه الآية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة يوسف وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها إحدى عشرة ومائة بعد البسملة‏,‏ وقد تفردت باستعراض قصة هذا النبي الصالح بتفاصيلها‏,‏ والذي جاء ذكره عليه السلام في كل من سورتي الأنعام وغافر‏,‏ بينما جاءت سير غيره من أنبياء الله ورسله إما مجملة في جزء من سورة‏,‏ أو مفصلة على مراحل في عدد من السور‏,‏ علما بأن سبعا من سور القرآن الكريم تحمل أسماء غيره من أنبياء الله ورسله من أمثال‏:‏ نوح‏,‏ هود‏,‏ إبراهيم‏,‏ يونس‏,‏ طه‏,‏ يس‏,‏ محمد‏ (‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏),‏ أو أسماء جماعة أو فرد من الصالحين من أمثال‏:‏ آل عمران‏,‏ مريم‏,‏ ولقمان‏ (‏رضي الله تعالى عنهم‏)‏ أو بعض صفات الصالحين من أمثال‏:‏ سورتي الأنبياء و المؤمنون‏.‏
ويبدو ـ والله تعالى أعلم ـ أن الحكمة من وراء إجمال قصة سيدنا يوسف عليه السلام في سورة واحدة هي تثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في وقت من أوقات الشدائد التي لقيها من كفار و مشركي العرب‏,‏ بعد وفاة كل من زوجته الوفية أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ وعمه أبي طالب وكانا ـ بعد الله تعالى ـ سندي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا أمام اضطهاد كفار قريش له خاصة‏,‏ وللمسلمين ‏(‏عامة‏)‏ في مكة المكرمة‏,‏ وكان قد زاد الموقف حدة تخلي أهل الطائف عن مناصرته صلى الله عليه وسلم‏,‏ وتآمر الكفار والمشركين في مكة علي قتله‏,‏ أو سجنه‏,‏ أو نفيه بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية‏;‏ وبعد سيادة الشعور العام بتعاظم خطر الإسلام والمسلمين‏,‏ وتكوين قاعدة لهم بالمدينة المنورة وكان رسول الله صلي الله عليه وسلم قد أمر بالاستعداد للهجرة‏,‏ وعز عليه مفارقة مكة المكرمة ـ أشرف بقاع الأرض وأحبها إلى الله ورسوله ـ وما ساوره صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت العصيب من مشاعر الوحشة والغربة‏,‏ والانقطاع عن الكعبة المشرفة‏,‏ وعن الأهل والأحباب‏,‏ الذين بقيت منهم بقية في مكة وإن كان أغلب أصحابه قد هاجروا بالفعل إلى المدينة المنورة‏.‏

وسط هذه الشدائد والابتلاءات والمحن أنزلت سورة يوسف على رسول الله صلى الله عليه وسلم تروي قصة أخ له من أنبياء الله السابقين‏,‏ وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‏..‏ على نبينا وعليهم جميعا من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏..‏ وقد عانى من الابتلاءات والمحن ما كان في سرده شيء من التثبيت لخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم‏,‏ ولصحابته الكرام ـ عليهم رضوان الله ـ ولكل مسلم من بعدهم إلي يوم الدين‏.‏
فمنذ نعومة أظفاره مر نبي الله يوسف عليه السلام بقدر من الابتلاءات لا يقوى على حملها كثير من الناس‏,‏ ابتداء بكيد إخوته له‏,‏ وتآمرهم عليه ثم إلقاؤهم به في غيابة الجب وهو طفل صغير‏,‏ وما صاحبه في هذا الوضع المخيف من رعب ووحشة وحزن‏,‏ بعد الرعاية الفائقة التي كان قد تعود عليها في ظل والديه‏,‏ ثم محنة انتشاله من قاع البئر‏,‏ وبيعه رقيقا‏,‏ ينقله مالكوه من يد إلى يد‏,‏ بغير إرادة منه‏,‏ ولا مشورة معه‏,‏ وهو النبي ابن النبي ابن النبي ابن النبي‏,‏ ثم محنة افتتان زوجة العزيز به‏,‏ وولهها وهيامها بحبه‏,‏ ومحاولتها فتنته عن فطرته السوية التي فطره الله تعالى عليها‏,‏ ومحنة ما جمعت له من نسوة تستعين بهن علي فتنته‏,‏ ومحنة السجن دون ذنب أو خطيئة‏,‏ ثم الابتلاء بعد ذلك بالجاه والسلطان والسعة في الرزق‏,‏ والتمكين في الأرض بالقيام على خزائن مصر‏,‏ ثم الابتلاء بلقائه مع إخوته الذين سبق لهم أن ظلموه وجاروا عليه بالكيد له‏,‏ وانتهاء بالابتلاء الكبير الذي تمثل في تحقق رؤياه القديمة وسجود أبويه وإخوته له على العرش بعد أن جمع الله شملهم على أرض مصر الطيبة‏.‏
وقد صبر يوسف صلى الله عليه وسلم على جميع هذه الابتلاءات والمحن صبر المؤمن بالله‏,‏ الموقن بإلوهيته‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته وتجلد تجلد الصابر المحتسب‏,‏ طلبا لمرضاة الله‏,‏ وتسليما لقضائه‏,‏ ورضا بقدره‏,‏ وإيمانا بأنه الخير كل الخير‏,‏ رغم كل ما لاقي من شدائد ومحن‏,‏ وهكذا يجب أن يكون كل مسلم‏.‏
ومما يثير الإعجاب حقا أن هذه الابتلاءات والشدائد والمحن التي مر بها سيدنا يوسف عليه السلام لم تعقه لحظة عن دعوته إلى الإسلام الخالص‏,‏ القائم على توحيد الله‏,‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ حتى في أشد ساعات الابتلاء والامتحان صعوبة‏,‏ ويذكر لنا القرآن الكريم رده على زميليه في السجن حيث يقول‏:‏ ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ﴾ ‏(‏ يوسف‏:39).‏

وبهذا الإيمان الراسخ بالله الواحد القهار خرج نبي الله يوسف عليه السلام من كل هذه الابتلاءات والمحن والشدائد وهو أصلب عودا‏,‏ وأقوى على مجابهة الحياة‏,‏ وأكثر إخلاصا وتجردا لعبادة الله وحده‏,‏ وحبا له‏,‏ وتفانيا في إرضائه‏,‏ ولذلك كانت أكبر أمنياته في لحظة الانتصار أن يتوفاه الله مسلما‏,‏ وفي ذلك يقول لنا القرآن الكريم في ختام قصة يوسف عليه السلام‏:‏
﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقاًّ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ البَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ (يوسف‏:99‏ ـ‏101) .
وهكذا كان في قصة نبي الله يوسف عليه السلام أجمل مواساة لخاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في الابتلاءات والمحن والشدائد التي مر بها قبل الهجرة‏,‏ وأعظم تطمين له بحتمية الانتصار على أعداء الله وأعدائه‏,‏ وأجمل بشرى بقرب التمكين له في الأرض كما سبق وأن مكن الله ـ تعالى ـ لنبيه يوسف عليه السلام بعد ما مر به من الابتلاءات‏.‏ ومثل هذه البشريات لا تدركها إلا القلوب العامرة بالإيمان بالله والمطمئنة بمعيته سبحانه وتعالى والمسلمة بقدر الله وقضائه‏,‏ والموقنة بأن فيه الخير كل الخير حتى لو بدا لنا بمقاييسنا البشرية المحدودة أنه ليس في صالحنا‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ * وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ( يوسف‏:56‏ ـ‏57).
وفي الآية الأخيرة إشارة واضحة إلى ضآلة شأن الدنيا إذا قورنت بالآخرة‏,‏ وتأكيد على أن كل محنة وابتلاء وشدة يمر بها المؤمن في هذه الحياة الدنيا هي من أجل تزكية نفسه‏,‏ وتطهير بدنه‏,‏ وتكفير سيئاته‏,‏ ورفع درجاته‏,‏ وزيادة أجره ولذلك فإن سورة يوسف التي بدأت برؤياه وانتهت بتحقيق تلك الرؤيا ختمت بقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ مخاطبا خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم‏:‏
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (يوسف‏:108‏ ـ‏111‏)
وجاءت قصة نبي الله يوسف عليه السلام في ثمان وتسعين آية‏,‏ وختمت بخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه في عشر آيات وقدم لها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بثلاث من الآيات كانت أولاها ﴿ الـر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِينِ ﴾ (يوسف:1‏) .‏
والحروف المقطعة الثلاثة‏ (‏الر‏)‏ تكررت خمس مرات في مطلع خمس من سور القرآن الكريم‏,‏ وجاءت مرة سادسة مع إضافة الحرف م‏ (‏المر‏).‏ وهذه الحروف الهجائية المقطعة التي جاءت بأربع عشرة صيغة‏,‏ في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم في أحد الآراء‏,‏ أو سبع وعشرين سورة في رأي آخر‏,‏ تعتبر من أسرار هذا الكتاب العزيز الذي فوض كثير من المفسرين العلم فيها إلي الله ـ تعالى ـ وحاول بعضهم إيجاد تفسير لها‏,‏ فمنهم من رأي أنها رموز إلى كلمات أو معان‏,‏ أو أعداد معينة‏,‏ ومنهم من رأى أنها أسماء للسور‏,‏ أو أنها قصدت لإظهار التحدي بالقرآن الكريم‏,‏ وللدلالة على إعجازه‏,‏ أو قصد منها تنبيه السامع‏,‏ أو جعلها فواتح للكلام‏,‏ ومنهم من يرى أن هناك روابط معنوية بين الحروف المقطعة وسورها‏,‏ أو روابط رياضية بين تلك الحروف المقطعة وعدد مرات ورودها في السورة‏,‏ بمعنى وجود قانون رياضي يربط توزيع الحروف في سور هذا الكتاب العزيز الذي نزل منجما‏:‏ آية آية‏,‏ أو بضع آيات بضع آيات‏,‏ وفي حالة قصار السور وفي بعض الحالات النادرة جاءت السورة كاملة‏,‏ ومن المفسرين من يرى أن الله ـ تعالى ـ أراد بتلك الحروف المقطعة شهادة على صدق خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بأصوات الحروف ولا يعرف أسماءها‏,‏ لأن النطق بأسماء الحروف لا يعرف إلا بالتعلم والمران‏,‏ ومن العلماء من يرى الجمع بين هذه الرؤى كلها‏,‏ مع إمكانية إضافة غيرها إليها‏.‏

والحروف المقطعة الثلاثة ‏(‏الر‏)‏ التي استهلت بها سورة يوسف عليه السلام كأنها تخاطب العرب ـ وهم في قمة الفصاحة والبلاغة وحسن البيان ـ فتقول لهم إن كلامكم يتركب من تلك الحروف الهجائية وأمثالها‏,‏ وكذلك القرآن الكريم كله‏,‏ وقد تحداكم ربكم أن تأتوا بقرآن مثله‏,‏ أو بعشر سور من مثله‏,‏ أو حتى بسورة واحدة من مثله ففشلتم وعجزتم عن ذلك مما يجعل هذا الكتاب المبين حجة عليكم أجمعين‏,‏ ولذلك جاءت الآية الثانية من سورة يوسف بقول الله سبحانه وتعالى‏:‏
‏﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏﴾ (يوسف:‏ 2).‏
ووجه الخطاب في الآية الثالثة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وذلك بقول الحق تبارك وتعالى‏:‏
﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ ﴾ (يوسف‏:3).‏
وذلك لأن قصة نبي الله يوسف عليه السلام كانت بالنسبة إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أنباء الغيب كما أشار الله تعالى إلى ذلك في عشر آيات من هذه السورة المباركة‏,‏ فلم يكن رسولنا الخاتم صلى الله عليه وسلم يعلم شيئا عنها قبل أن يتنزل عليه الوحي بها‏,‏ فقد عاش موسى ـ عليه السلام ـ في مصر من‏(1730‏ ق‏.‏ م‏.)‏ إلى‏(1580‏ ق‏.‏ م‏)‏ وبعث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة‏(610‏ م‏)‏ أي كان بينهما‏ 2340‏ سنة ولم تكن الغالبية الساحقة من أهل الأرض تذكر شيئا عن قصة نبي الله يوسف باستثناء قلة نادرة من أحبار اليهود الذين كانوا مبعثرين في جيوب قليلة من الجزيرة العربية‏,‏ وكان أغلبهم من البدو الجهلاء قليلي العلم‏,‏ أو من الأميين الذين لا يقرأون‏.‏
والمقارنة بين قصة سيدنا يوسف عليه السلام كما جاءت في القرآن الكريم‏,‏ وكما جاءت في العهد القديم توضح الفارق الشاسع بين كلام الله وكلام البشر‏,‏ والتشابه في القصة الكريمة مرده إلي وحدة المصدر السماوي‏,‏ والاختلاف في الأسلوب والمحتوي والتفاصيل مرده إلي قدر هائل من التحريف الذي تعرضت له رسالة سيدنا موسى ـ على نبينا وعليه من الله السلام‏.‏
هذا وسوف نعرض ان شاء الله ـ تعالى ـ في المقالين القادمين لركائز العقيدة والإشارات الكونية في سورة يوسف‏,‏ ثم نوضح ومضة الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏.‏

﴿وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏﴾‏ (يوسف‏:43)

‏260‏ـ ب ﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾‏ (يوسف‏:43)
هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثانى من سورة يوسف وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة‏,‏ ونركز هنا على عدد من ركائز العقيدة والإشارات الكونية في سورة يوسف‏.‏

من ركائز العقيدة

‏(1)‏ الإيمان بأن القرآن الكريم هو كلام الله ـ سبحانه وتعالى ـ الموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (‏ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏)‏ بلسان عربي مبين كي يفهمه العرب ويطبقوه أمرا واقعا في حياتهم‏,‏ ويبلغوا به غيرهم من الأمم أصحاب اللغات الأخرى‏,‏ لأنه أنزل للناس جميعا‏,‏ ولأنه الكتاب المبين عن الدين الحق‏,‏ الواضح الدلالة لكل من استرشد بهديه الرباني الخالص‏,‏ والذي علمه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لأبينا آدم لحظة خلقه‏,‏ وأنزله على سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏,‏ وآتمه وحفظه في رسالته الخاتمة المنزلة ـ على خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏,‏ والتي تعهد بحفظها تعهدا مطلقا فحفظت على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وسوف تحفظ إلى ما شاء الله رب العالمين‏.‏‏

(2)‏ التسليم بأن قصة نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ لم تكن معروفة لرسول الله‏ (‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ قبل الوحي بها إليه‏,‏ ولم يكن أحد من العرب يعرف شيئا عنها‏,‏ فضلا عن تفاصيلها‏,‏ سوى آحاد من أهل الكتاب‏.‏ وقصة سيدنا يوسف في القرآن الكريم هي من الشهادات الناطقة بصدق هذا الكتاب العزيز‏,‏ وبنبوة النبي الخاتم الذي تلقاه‏,‏ وبأنه ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي‏,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض‏,‏ وهنا تتضح الحكمة الربانية من جعل خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ لا يعرف القراءة والكتابة‏,‏ كما ثبت ذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في سورة العنكبوت مخاطبا هذا الرسول الخاتم‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏):‏﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾‏ (‏ العنكبوت‏:48).‏

‏(3)‏ التصديق بأن رؤى الأنبياء حق‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ يعلم من يشاء من عباده الصالحين تأويل الرؤى‏.‏‏

(4)‏ اليقين بأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأنه يترصد بوسوسته جميع بني آدم حتى أبناء الأنبياء والمرسلين‏,‏ كما حدث مع إخوة يوسف ‏(‏عليه السلام‏).‏‏

(5)‏ الاقتناع بأن المساواة بين الأبناء ضرورة فطرية‏,‏ ولازمة تربوية‏,‏ لأن المبالغة في حب الوالدين أو حب أحدهما لأحد الأبناء يدفع الآخرين من الأبناء إلى كراهيته والحقد عليه‏,‏ والكيد له كما حدث مع إخوة يوسف وهم في بيت النبوة‏.‏‏

(6)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يمكن لمن يشاء من عباده في الأرض‏,‏ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏(‏ يوسف‏:21),‏ والإيمان بهذه الحقيقة يجعل الإنسان راضيا بقضاء الله وقدره‏,‏ ومثبتا في حالات النوازل والمحن والابتلاءات‏,‏ وممنوعا من ظلم الآخرين‏,‏ لأن الظالمين لا يفلحون‏.‏‏

(7)‏ التسليم بأن جميع أنبياء الله قد دعوا إلى عبادة الله ـ تعالى ـ وحده‏,‏ وحاربوا الكفر والشرك‏;‏ إيمانا بالله الواحد القهار‏,‏ ودعوا أممهم إلى التوحيد الخالص له‏,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ كما دعوا إلى تنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وذلك لأن الله ـ تعالى ـ قد أمر بألا يعبد سواه‏,‏ ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بالله إلا وهم مشركون‏,‏ على الرغم من تسليمهم بأنه ـ سبحانه وتعالى ـ هو فاطر السماوات والأرض‏,‏ وخالق كل شيء‏,‏ وذلك من دس الشياطين ووسوساتها إليهم‏,‏ لذلك يوجه الحق ـ تبارك وتعالى ـ الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله بقوله ـ عز من قائل ـ‏:‏﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ‏(‏ يوسف‏:103).‏

‏(8)‏ التصديق بأن الإسلام القائم على التوحيد الخالص لله‏,‏ وإسلام الوجه طواعية واختيارا له ـ سبحانه‏,‏ والخضوع لأوامره خضوعا كاملا‏,‏ واجتناب نواهيه اجتنابا تاما‏,‏ واتباع هديه اتباعا دقيقا‏,‏ وذلك بعبادته ـ تعالى ـ بما أمر وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة عدل الله فيها‏,‏ هذا الإسلام هو الدين القيم‏,‏ الذي علمه لأبينا آدم لحظة خلقه‏,‏ وأنزله على جميع أنبيائه ورسله‏,‏ ولذلك لا يرتضي ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عباده دينا سواه وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏(‏ يوسف‏:68).‏‏

(9)‏ الإيمان بأن النفس الإنسانية أمارة بالسوء إلا من رحم ربي وهو الغفور الرحيم‏,‏ وعلى كل عاقل ألا يتبع نفسه هواها‏,‏ وأن يعلم أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين‏.‏‏

(10)‏ التسليم بأن للعلم قيمة عليا في الإسلام‏,‏ وعلى العلماء ألا يغتروا بعلمهم لأن الله ـ تعالى ـ قد جعل فوق كل ذي علم عليم‏,‏ وأنه ـ تعالى ـ لطيف لما يشاء‏,‏ وأنه هو العليم الحكيم‏.‏‏

(11)‏ التصديق بأن الساعة لا تأتي إلا بغتة‏,‏ وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون‏.‏

الإشارات الكونية في سورة يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏

جاء في سورة نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ عدد غير قليل من الإشارات الكونية التي نوجز منها ما يلي‏:‏‏
(1)‏ دون أدني قدر من التكلف‏,‏ لأن القرآن الكريم لا يحتاج ذلك‏,‏ أقول إنه ليس من قبيل المصادفة أن يكون عدد اخوة يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ أحد عشر‏,‏ ويكون عدد الكواكب في مجموعتنا الشمسية بالعدد نفسه‏,‏ وأن يرى يوسف في رؤياه أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين‏,‏ وتتحقق هذه الرؤيا بسجود اخوته وأبويه له يوم جمعهم الله ـ تعالى ـ جميعا على أرض مصر‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏﴿ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (‏يوسف‏:4).

‏(2)‏ تسمية حاكم مصر في زمن سيدنا يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ بلقب الملك‏,‏ علما بأن حكام مصر كانوا يلقبون عادة بلقب‏ (‏فرعون‏)‏ الذي جاء‏(74)‏ مرة في القرآن الكريم‏.‏

‏(3)‏ الإشارة إلى واقعة تاريخية وقعت بمصر من قبل بعثة المصطفى‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأكثر من عشرين قرنا مؤداها مرور سبع سنوات من الخصب العام‏,‏ تلتها سبع سنوات عجاف من القحط والجفاف والجدب‏,‏ تلاها عام زالت فيه تلك الشدة‏,‏ ونزل الغيث‏,‏ وعم الرخاء‏,‏ وقد أثبتت دراسات الآثار المصرية القديمة صدق ذلك‏.‏‏

(4)‏ التوصية الإلهية التي ألهمها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ لعبده يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ بترك القمح المخزون من أعوام الرخاء لأعوام الشدة في سنابله‏,‏ وقد أثبتت التجارب أن تخزين المحاصيل الزراعية ذات السنابل من مثل القمح‏,‏ والشعير‏,‏ والأرز والذرة والشيلم والشوفان‏,‏ هي الطريقة المثلى في حفظها لمدد طويلة دون فساد‏,‏ أو تسوس‏,‏ أو نقص في محتواها الغذائي‏.‏‏

(5)‏ وصف عيني سيدنا يعقوب ‏(‏عليه السلام‏)‏ بأنهما ابيضتا من الحزن‏,‏ وهو ما يعرف اليوم باسم الماء الأبيض‏,‏ وهو عبارة عن عتامة تحدث لعدسة العين تمنع دخول الضوء جزئيا أو كليا إليها حسب درجة العتامة‏,‏ وقد تحدث بسبب الحزن الشديد المصاحب بالبكاء‏,‏ أو لكبر السن‏,‏ أو بسببهما معا‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ‏(‏ يوسف‏:84).‏‏

(6)‏ الإشارة إلى أن عرق الإنسان به من المركبات الكيميائية ما يمكن من شفاء عتامة عدسة العين ‏(‏الماء الأبيض‏),‏ وهو ما توصل إليه الأستاذ الدكتور عبدالباسط سيد محمد الأستاذ بالمركز القومي للبحوث بالدقي ـ القاهرة‏,‏ بعد أن قام بجمع عدد من العدسات المعتمة‏ (‏ التي تم استخراجها من عيون عدد من المرضى بالماء الأبيض وذلك بعمليات جراحية‏)‏ ونقعها في بعض المركبات الكيميائية المعزولة من عرق الإنسان فوجد أنها تحدث حالة من الشفافية التدريجية لتلك العدسات‏,‏ ووجد أن العامل المؤثر في ذلك هو أحد المركبات الكيميائية لعرق الإنسان‏,‏ واسمه العلمي الجواندين وأمكن تحضير هذا المركب مختبريا‏,‏ وإنتاج قطرة للعيون منه حصل بها على براءة اختراع أوروبية‏,‏ وأخرى أمريكية في عامي‏1991‏ و‏1993‏ على التوالي‏,‏ وقد استوحى هذا العالم المصري فكرة تلك القطرة من قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ على لسان عبده ونبيه يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏ ما نصه‏:‏﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ‏(‏ يوسف‏:93).‏
وإن كانت هذه الواقعة من المعجزات‏,‏ والمعجزات لا تفسر بالقوانين العلمية المكتسبة‏.‏

‏(7)‏ الإشارة إلى أن بالسماوات والأرض من الآيات الحسية ما يشهد لله الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ وقد أثبتت الدراسات العلمية ذلك‏,‏ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (‏ يوسف‏:105).‏
وكل واحدة من هذه الإشارات العلمية والتاريخية تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ لذلك فسوف أقصر حديثي في المقال القادم إن شاء الله ـ تعالى ـ على النقطة الثانية من القائمة السابقة والمتعلقة بدقة الرواية القرآنية للواقعة‏,‏ بوصف حاكم مصر في زمن وجود نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ بها بلقب الملك‏,‏ وليس بتعبير الفرعون الذي ساد من قبل زمن يوسف ومن بعده‏.‏

﴿وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ‏﴾‏ (يوسف‏:43)

‏260‏ـ ‏ج ﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾‏ (يوسف‏:43)

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الثاني من سورة يوسف‏,‏ هي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(111)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة‏,‏ وتلخيص ما جاء فيها من أسس العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا على الدلالات التاريخية والعلمية التي جاءت في الآية الثالثة والأربعين من سورة يوسف‏,‏ وهي الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال‏:‏

من الدلالات التاريخية والعلمية للآية الكريمة

أولا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:‏ وَقَالَ المَلِكُ…:
يعجب قارئ القرآن الكريم من وصف حاكم مصر في زمن نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ بلقب الملك الذي جاء في خمسة مواضع من سورة يوسف‏,‏ بينما جاء وصفه في زمن موسى ‏(‏عليه السلام‏)‏ بلقب فرعون مصر أو الفرعون‏,‏ وقد أورد القرآن الكريم لقب فرعون أربعة وسبعين‏(74)‏ مرة في عرض قصة نبي الله موسى ‏(‏عليه السلام‏),‏ والسبب في ذلك أن نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ عاش في مصر أيام حكم الهكسوس‏(‏ أي الملوك الرعاة‏),‏ وذلك في الفترة من (1730‏ ق‏.‏م‏)‏ إلى ‏(1580‏ ق‏.‏م‏),‏ وكان حكام الهكسوس يلقبون بالملوك وليس بالفراعنة‏,‏ بينما عاش نبي الله موسى ‏(‏عليه السلام‏)‏ في زمن رمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشرة المعروف باسم فرعون الاضطهاد‏,‏ أو فرعون التسخير‏,‏ الذي حكم مصر في الفترة من‏ (1301‏ ق‏.‏م‏)‏ إلى(1234‏ ق‏.‏م‏),‏ ومات ونبي الله موسى في مدين عند أصهاره نبي الله شعيب‏ (‏عليه السلام‏)‏ وآله‏,‏ وخلف رمسيس الثاني ولده الثالث عشر منفتاح‏ (‏أو منفتا‏)‏ المعروف باسم فرعون الخروج‏,‏ وحكم مصر في الفترة من ‏(1234‏ ق‏.‏م‏)‏ إلى ‏(1224‏ ق‏.‏م‏),‏ ومات غارقا في أثناء مطاردته لنبي الله موسى ‏(‏عليه السلام‏)‏ كما أخبر القرآن الكريم‏. ‏ومع العلم بأن الذين خرجوا مع موسى من بني إسرائيل تاهوا أربعين سنة‏,‏ وأن وفاة موسى ‏(‏عليه السلام‏)‏ جاءت بعد انتهاء فترة التيه بقليل‏,‏ لأن من الثابت أنه لم يدخل أرض فلسطين‏,‏ فإن وفاته كانت في حدود سنة (1184‏ ق‏.‏م‏),‏ وبما أنه عاش في مدين عشر سنوات‏,‏ وعاش في بيت فرعون قرابة عشرين سنة‏,‏ فإن مولده ‏(‏عليه السلام‏)‏ كان في حدود سنة‏ (1264‏ ق‏.‏م‏),‏ أي أنه عاش نحو ثمانين سنة‏ (1264‏ ق‏.‏م‏)‏ إلى (1184‏ ق‏.‏م‏),‏ وفي هذه الفترة كان يطلق على حكام مصر لقب الفراعنة‏,‏ ومن هنا جاء ذكرهم في القرآن الكريم بهذا اللقب‏.‏

أما نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏),‏ فقد عاش في حدود الفترة من‏(1730‏ ق‏.‏م‏)‏ إلى ‏(1580‏ ق‏.‏م‏),‏ وكان حاكم مصر ملكا من العمالقة يعرف باسم الريان بن الوليد‏,‏ كما ذكره مؤرخو العرب‏,‏ ووجد اسمه منقوشا على بعض الآثار المصرية القديمة‏ (‏انظر مؤتمر تفسير سورة يوسف للشيخ عبدالله العلمي‏),‏ وكان ذلك في الأسرة الخامسة عشرة‏,‏ أو السادسة عشرة لدولة الهكسوس الرعاة في مصر‏,‏ وكانت السلالة السابقة عليها في حكم مصر‏,‏ وهي الأسرة الرابعة عشرة من الفراعنة المصريين‏,‏ الذين حكموا في وادي النيل سنة‏ (2000‏ ق‏.‏م‏),‏ بينما كانت السلالة الرعوية المعروفة باسم شاسو أو الهكسوس‏,‏ أي البدو الرعاة‏,‏ يتنقلون في شرقي مصر على حدود البادية فيما يعرف اليوم باسم محافظة الشرقية‏ (‏أرض جاسان في الكتب القديمة‏),‏وكانوا يتكلمون لغة سامية متفرعة عن اللغة العربية‏,‏ وكانت قريبة جدا منها‏,‏ وكان الهكسوس يترقبون ضعف الفراعنة ليغزوهم‏,‏ وكان الفراعنة حريصين على مسالمتهم والاستعانة بهم في حروبهم لشجاعتهم‏,‏ وشدتهم‏,‏ وجلدهم‏,‏ وقوة أبدانهم‏,‏ شأن البدو في كل العصور‏,‏ وظل الصراع بين ملوك الرعاة وفراعنة مصر حتى سنحت الفرصة لهؤلاء الرعاة بالانتصار عليهم‏,‏ فاستولوا على دلتا مصر وحكموها باسم ملوك الهكسوس في أثناء فترة الاضطرابات والفتن في أواخر عهد الأسرة الرابعة عشرة‏,‏ واستعمروا الوجه البحري كله وبعض أجزاء صعيد مصر‏,‏ واستولوا على مدينة‏ (‏منف أو منفيس‏)‏ وولوا على الأراضي التي احتلوها ملكا من بينهم‏,‏ وانحسر حكم الفراعنة إلى جنوب مصر‏,‏ الذي كانت عاصمته مدينة طيبة الأقصر‏,‏ وحكم الهكسوس أغلب شمال مصر‏,‏ ودامت سيطرتهم عليه لنحو خمسة قرون‏,‏ حتى قام الفراعنة بإسقاط ملكهم في أوائل القرن السادس عشر قبل الميلاد‏,‏ وعاد الفراعنة لحكم كل من شمال وجنوب مصر من جديد‏,‏ موحدين أرض مصر تحت حكمهم مرة ثانية‏.‏

وفي فترة دخول نبي الله يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏ إلى مصر كانت مملكة الهكسوس في دور انحسارها الذي تقلصت مساحتها فيه إلى مثلث تألفت رءوسه من مينيا القمح وبوبسطة القريبة من مدينة الزقازيق‏,‏ وبلدة صان الحجر‏.‏ولم يجد يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏ صعوبة في التحدث مع الهكسوس الذين كانوا يتكلمون لغة سامية قريبة من لغته‏,‏ ومن هنا تأتي ومضة الإعجاز التاريخي في الآية الكريمة التي نحن بصددها في قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ وقال الملك‏…‏ ولم يقل‏:‏ وقال فرعون‏,‏ لأن يوسف ‏(‏ عليه السلام‏)‏ لم يعمل لدى أحد من فراعنة مصر‏,‏ الذين كان ملكهم في زمن وجوده بمصر قد انحسر إلى جنوب البلاد‏,‏ وكانت عاصمتهم طيبة الأقصر‏,‏ وكانت لغتهم الهيروغليفية المصرية القديمة التي لم يكن يوسف‏ (‏عليه السلام‏)‏ يعرفها‏.‏وهذه اللمحة المعجزة ـ على بساطتها ـ هي من جملة البراهين على أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه ‏(‏اللغة العربية‏),‏ وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا ليبقي القرآن الكريم شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه كلام رب العالمين‏,‏ وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏

وهذا الوصف الدقيق لحاكم مصر في زمن نبي الله يوسف ـ عليه السلام ـ بوصف الملك هو من الأدلة الناطقة على الدقة المطلقة لكل حرف‏,‏ وكلمة‏,‏ وآية أوردها القرآن الكريم‏,‏ ولكل قاعدة عقدية‏,‏ أو أمر تعبدي‏,‏ أو دستور أخلاقي‏,‏ أو تشريع سلوكي‏,‏ أو خبر تاريخي‏,‏ أو إشارة علمية‏,‏ أو خطاب إلي النفس الإنسانية أو غير ذلك من القضايا المحكمة التي جاءت في ثنايا الآيات المتعلقة بركائز الدين الأساسية من العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات في هذا الكتاب العزيز‏.‏ومن الثابت أن رسول الله‏ (‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ بعث خاتما للأنبياء والمرسلين في سنة‏(610‏ م‏),‏ أي بعد أكثر من‏(2200‏ سنة‏)‏ من وفاة أخيه يوسف بن يعقوب ‏(‏عليهما السلام‏),‏ فمن غير الله الخالق ـ سبحانه وتعالي يمكن أن يكون قد أخبره بتفاصيل قصة يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏ بهذه الدقة والشمول‏,‏ والإيجاز المعجز دون ترك شيء من التفاصيل ـ؟ وإن قيل إنه كان لليهود بعض الجيوب في الجزيرة العربية علي عهده‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ فإن التاريخ يثبت أن غالبية هؤلاء اليهود كانوا من البدو الذين لم يكونوا على قدر كاف من الثقافة الدينية أو الدنيوية‏,‏ وكانت صحفهم قد تعرضت للكثير من التغيير‏,‏ وإن بقيت بها بعض بقايا الحق القديم‏.‏

ثانيا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ على لسان ملك مصر‏:﴿..إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾‏:‏
هذه الرؤيا المنامية رآها ملك مصر على عهد نبي الله يوسف ‏(‏عليه السلام‏)‏ في زمن حكم الهكسوس الرعاة العماليق لشمال مصر‏,‏ وانحسار حكم الفراعنة إلى الجنوب‏,‏ وكانت عاصمتهم طيبة الأقصر‏.‏ولكون المصطفى ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ لم يكن يحسن القراءة أو الكتابة‏,‏ وكان ذلك لحكمة يعلمها الله ـ سبحانه وتعالى ـ منها ألا يصدق على هذا الرسول الخاتم دعاوى النقل عن كتب السابقين‏,‏ وفي ذلك يقول له ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏ ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المُبْطِلُونَ﴾ ‏(‏ العنكبوت‏:48).‏
والمتتبع لقصة نبي الله يوسف‏ (‏عليه السلام‏),‏ كما جاءت في القرآن الكريم يدرك بوضوح وحدة رسالة السماء المنطلقة من وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ‏,‏ كما يدرك دقة حفظ الوحي السماوي في صورته الخاتمة كما جاءت في القرآن الكريم الذي تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بحفظه فحفظ على مدى يزيد على أربعة عشر قرنا في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏),‏ وسيظل محفوظا كذلك إلى ما شاء الله تحقيقا لوعده الذي قطعه على ذاته العلية‏.‏ فقال ـ عز من قائل ـ‏:‏ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر‏:9).‏

ثالثا‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ‏:﴿.. يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾
من المسلمات أنه لا يوجد ملك بدون حاشية له‏,‏ وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الحاشية بتعبير الملأ‏,‏ أي الجماعة‏,‏ وجمعه أملاء‏,‏ والملأ جماعة يجتمعون على رأي فيملأون العيون بمجرد الاستماع إليهم‏,‏ أو هم على قدر من الهيبة بحيث يملأون العيون بمجرد النظر إليهم‏,‏ وعلى ذلك يكون ملأ بمعني مالئ أو مليء أو مملوء‏,‏ لأن لفظة ملأ لا تطلق إلا على النخبة المختارة من مثل الحاشية التي تختار لبلاط الملوك من العلماء‏,‏ والحكماء‏,‏ والأدباء‏,‏ وأهل الرأي في كل أمر من الأمور‏.‏ومن المنطقي أن يتوجه الملك أول ما يتوجه بالسؤال إلى خاصته وحاشيته في كل أمر من الأمور التي تعرض له‏,‏ ولذلك قال ـ تعالي ـ على لسان ملك مصر‏:﴿.. يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ ‏(‏يوسف‏:43).‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن الكريم‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏),‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة