الإعجاز التشريعي في الآية “وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ..”/ مع د.زغلول النجار

قال تعالى:”وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ” (الحج:27)

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة “الحج”‏,‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها ثمانٍ وسبعون‏(78)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الإسم لورود الأمر الإلهي فيها إلى نبي الله إبراهيم بالآذان في الناس بالحج‏,‏ وهي السورة الوحيدة التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة‏.‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات والعقائد الإسلامية‏. وقد سبق لنا استعراض سورة “الحج” وما جاء فيها من تشريعات إسلامية، ومن ركائز العقيدة والإشارات العلمية ونركز هنا على أوجه الإعجاز في الآية الكريمة التي اتخذنها عنوانا لهذا المقال.‏

من أوجه الإعجاز في الآية الكريمة
أولا‏:‏ في قوله تعالى‏: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾:
الحج يعني قصد مكة المكرمة لأداء عبادة الطواف‏,‏ والسعي‏,‏ والوقوف بعرفة‏,‏ وما يتبع ذلك من مناسك يؤديها كل مسلم‏,‏ بالغ‏,‏ عاقل‏,‏ حر مستطيع‏,‏ ولو مرة واحدة في العمر‏,‏ وذلك استجابة لأمر الله‏,‏ وابتغاء مرضاته‏,‏ والحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة‏,‏ وفرض من الفرائض المعلومة من الدين بالضرورة‏,‏ وحق لله ـ تعالى ـ على المستطيعين من عباده ذكورا وإناثا لقوله تبارك وتعالى ـ‏:‏﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾ ‏(‏ آل عمران‏:97). ‏والحج هو عبادة من أجل العبادات وأفضلها عند رب العالمين لما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل أي الأعمال أفضل؟ قال‏:” إيمان بالله ورسوله‏ ,‏ قيل‏:‏ ثم ماذا ؟ قال‏:‏ ثم جهاد في سبيل الله‏,‏ قيل ثم ماذا؟ قال‏:‏ ثم حج مبرور ـ أي الذي لا يخالطه إثم”‏.(‏ أخرجه الإمام أحمد‏).‏
وأصل ‏(‏ العبادة‏)‏ الطاعة‏,‏ والتعبد هو التنسك‏.‏ والطاعة المبنية على أساس من الطمأنينة العقلية والقلبية الكاملة لا تحتاج إلى تبرير‏,‏ ولكن إذا عرفت الحكمة من ورائها أداها العبد بإتقان أفضل‏,‏ وكان سلوكه في أدائها أنبل وأجمل ‏,‏ ويظهر ذلك أكثر ما يظهر في أداء فريضة الحج‏,‏ وذلك لشدة الزحام‏,‏ ولمحدودية كل من الوقت والمكان‏,‏ ولكثرة التكاليف الشرعية في هذه الفترة المحدودة‏,‏ ولكن إذا فهمت الحكمة من أداء هذه الفريضة العظيمة أداها العبد أحسن الأداء وأكمله‏,‏ وأعان غيره من إخوانه على أدائها‏,‏ وذلك بحسن الفهم‏ ,‏ والالتزام بالنظم ‏,‏ والإيثار علي النفس‏ ,‏ تقربا إلى الله ـ تعالى ـ وتضرعا‏,‏ وحبا في عون عباد الله والمبادرة إلى نجدتهم ‏,‏ واعتبار ذلك من تمام أداء هذه العبادة التي يساويها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجهاد‏ ,‏ وذلك بقوله الشريف‏:‏ “جهاد الكبير والضعيف والمرأة‏:‏ الحج” (رواه‏‏ النسائي‏).‏
ومن مقاصد الحج ما يلي‏:‏
‏(‏أ‏)‏ تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض في أشرف أيام السنة‏:‏
فالله ـ تعالى ـ خلق كلا من المكان والزمان‏,‏ وجعلهما أمرين متواصلين‏,‏ فلا يوجد مكان بلا زمان‏,‏ ولا زمان بلا مكان‏,‏ وكما فضل الله بعض الرسل على بعض‏,‏ وبعض الأنبياء على بعض‏,‏ وبعض أفراد البشر على بعض‏,‏ فضل ـ سبحانه وتعالى ـ بعض الأزمنة على بعض‏,‏ وبعض الأماكن على بعض‏.‏ فمن تفضيل الأزمنة جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع‏,‏ وجعل شهر رمضان أفضل شهور السنة‏,‏ وجعل الليالي العشر الأخيرة من هذا الشهر الفضيل‏.‏ أشرف ليالي السنة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق ليلة القدر التي جعلها الله ـ تعالى ـ خيرا من ألف شهر‏.‏ ومن بعد رمضان يأتي فضل أشهر الحج‏,‏ ومن بعدها تأتي بقية الأشهر الحرم‏.‏
ومن الأيام جعل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أشرفها الأيام العشرة الأولي من شهر ذي الحجة‏,‏ وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة‏,‏ وفي ذلك يروي عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة‏,‏ فقال رجل‏:‏ هذا أفضل أم عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ هن أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله‏,‏ وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة‏,‏ ينزل الله ـ تبارك وتعالى ـ إلى السماء الدنيا‏,‏ فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول‏:‏ انظروا إلى عبادي‏.‏ جاءوني شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة‏,‏ ولذلك كان الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم‏.‏
ومن تفضيل الأماكن‏,‏ فضل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ مكة المكرمة وحرمها الشريف على جميع بقاع الأرض‏,‏ ومن بعدها فضل مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعدها فضل بيت المقدس‏,‏ كما جاء في العديد من أحاديث رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فإذا اجتمع فضل المكان وفضل الزمان‏,‏ تضاعفت البركات والأجور إن شاء الله‏.‏ومن هنا كان من حكم فريضة الحج ـ بالإضافة إلي كونها طاعة للأمر الإلهي ـ تعريض كل مسلم بالغ عاقل حر‏,‏ مستطيع ـ ذكرا كان أو أنثي‏,‏ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لبركة أشرف بقاع الأرض ـ الحرم المكي الشريف ـ في بركة أشرف أيام السنة ـ الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة ـ ولذلك قال ـ تعالى ـ‏:‏ ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ﴾ (‏ آل عمران‏:97).‏
وقال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم‏:‏ “هذا البيت دعامة الإسلام‏,‏ فمن خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر‏,‏ كان مضمونا على الله إن قبضه أن يدخله الجنة‏,‏ وإن رده رده بأجر وغنيمة”‏.‏
وروي كل من الإمامين البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما‏,‏ والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة‏”.‏وروي كل من الإمامين الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أنه قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏ “تابعوا بين الحج والعمرة‏,‏ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة‏,‏ وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة”‏.‏
‏ (‏ب‏):‏ ـ تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ‏:‏
على الرغم من حقيقة الموت الذي كتبه الله ـ تعالى ـ على جميع خلقه والذي يشهده أو يسمع به كل حي في كل لحظة‏,‏ وعلى الرغم من إيماننا ـ نحن معشر المسلمين ـ بحتمية البعث والحساب والجزاء‏,‏ ثم الخلود في الحياة القادمة‏,‏ إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏,‏ وهي من الأصول الإسلامية التي أكدها القرآن الكريم وروتها أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن دوامة الحياة ومشاغلها تكاد تنسي الناس هذه الحقائق التي هي من صلب الدين‏.‏وعلى الرغم من أن الموت ليس انتهاء إلي العدم المحض والفناء التام‏,‏ لأن الروح لا تبلى‏,‏ بل تصعد إلى بارئها‏,‏ ويبلى الجسد ويتحلل‏,‏ وتبقى منه فضلة يعاد بعثه منها وهي عجب الذنب كما سماها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن الموت يبقى مصيبة ـ كما سماه القرآن الكريم ـ ويبقى الأخطر من مصيبة الموت غفلة الناس عنه‏,‏ وإعراضهم عن ذكره‏,‏ وقلة تفكيرهم فيه‏,‏ وانصرافهم عن العمل له‏,‏ وانشغالهم بالدنيا حتى أنستهم إياه أو كادت‏.‏
وهنا تأتي شعيرة الحج لتخرج الناس من دوامة الحياة ـ ولو لفترة قصيرة ـ وتذكرهم بحتمية العودة إلى الله ـ تعالى وذلك على النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ غسل الإحرام يذكر الحاج بغسله ميتا وهو لا يملك لنفسه شيئا بين أيدي مغسله‏,‏ وهو رمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(2)‏ الإحرام يذكر الحاج بالخروج من الدنيا بلا أدنى زينة أو ملك‏,‏ كما يذكره بالكفن الذي سوف يلف فيه جسده بعد تغسيله‏.‏
‏(3)‏ النية عهد بين العبد وربه بالاستقامة على منهج الله‏.‏
‏(4)‏ الوقوف عند الميقات يذكر الحاج بأجله الذي حدده الله ـ تعالى له‏,‏ والذي يقول فيه‏:﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ (‏ آل عمران‏:145).‏
والانتقال من الحل إلي الحرم عبر الميقات يذكر بالانتقال من الدنيا إلي الآخرة عبر الموت والتلبية نداء إلى الله‏,‏ واستنجاد برحمته‏,‏ واحتماء بحماه‏.‏
‏(5)‏ والطواف حول الكعبة المشرفة يذكر بضرورة الانتظام مع حركة الكون في خضوعه لأوامر الله ـ تعالى ـ وانصياعه لقوانين هذا الخالق العظيم وسننه في عبادة وذكر دائمين‏,‏ كما أن بداية الطواف ونهايته تؤكدان بداية الأجل ونهايته‏,‏ وهي حقيقة يغفل عنها كثير من الناس‏.‏
‏(6)‏ والصلاة في مقام إبراهيم تذكر بجهاد الأنبياء والمرسلين‏,‏ وبمقام الصالحين عند رب العالمين‏.‏
‏(7)‏ والشرب من ماء زمزم يؤكد قدرة رب العالمين التي لا حدود لها‏,‏ ولا عائق يقف في سبيلها من أجل إكرام عباده الصالحين‏.‏
‏(8)‏ والسعي بين الصفا والمروة يذكر بأم إسماعيل ـ عليها وعليه السلام ـ وهي تركض بين هذين الجبلين‏;‏ بحثا عن الماء لصغيرها‏,‏ ونتيجة لإخلاصها‏.‏ ولثقتها في ربها أكرمها الله ـ تعالى ـ بجبريل يضرب الأرض بجناحه‏,‏ أو بعقبه فيفجر ماء زمزم من صخور مصمطة لا مسامية لها‏.‏
‏(9)‏ والنفرة إلى منى ثم إلي عرفات تذكر بيوم البعث في زحامه وشدته‏.‏
‏(10)‏ والوقوف بعرفات يذكر بالحشر وبالعرض الأكبر بين يدي الله ـ تعالى‏.‏
‏(11)‏ والمبيت بالمزدلفة يذكر بآلاف الأنبياء ومئات المرسلين الذين حجوا من قبل‏,‏ والذين نزلوا بهذا المنزل‏;‏ تأكيدا لوحدة الدين‏,‏ وللأخوة بين أنبياء رب العالمين‏,‏ وإحياء السنة خاتمهم ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏.‏
‏(12)‏ والنحر يذكر بفداء الله لنبيه إسماعيل‏;‏ إكراما لطاعته وطاعة أبيه إبراهيم ـ عليهما السلام ـ لأوامر رب العالمين‏,‏ وإحياء لسنة خاتم الأنبياء والمرسلين‏.‏
‏(13)‏ والحلق أو التقصير يرمز للتطهر من الذنوب والآثام‏.‏
‏(14)‏ ورمي الجمار تأكيد حتمية انتصار العبد المؤمن على الشيطان في هذا الصراع‏,‏ والرجم رمز لذلك الانتصار‏,‏ وعهد مع الله ـ تعالى ـ على تحقيقه‏.‏
‏(15)‏ والتحلل من الإحرام وطواف كل من الإفاضة والوداع رمز لانتهاء هذه الشعيرة العظمى‏,‏ وعودة إلى دوامة الحياة من جديد بذنب مغفور‏,‏ وعمل صالح مقبول‏,‏ وتجارة مع الله ـ تعالى ـ لن تبور‏.‏ومن هنا كان واجب كل عائد من أداء فريضة الحج أن يبدأ مع ربه صفحة جديدة‏,‏ إطارها الفهم الصحيح لرسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله ـ تعالى ـ يعبده بما أمر‏,‏ ويجاهد بصدق من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏,‏ وإقامة دين الله وعدله على سطحها‏,‏ والدعوة إلى هذا الدين بالكلمة الطيبة والحجة الواضحة والمنطق السوي‏.‏
‏(16)‏ وفي تحرك جموع الحجاج من كل عرق ولون وجنس ولغة ـ في موكب واحد لأداء هذه الفريضة الكبرى;‏ تأكيد وحدة الجنس البشري المنبثق من أب واحد وأم واحدة‏,‏ هما آدم وحواء ـ عليهما من الله السلام ـ وتأكيد كذلك على وحدة رسالة السماء ـ وهي الإسلام العظيم ـ وعلى الأخوة بين الأنبياء‏,‏ وعلى وحدانية رب السموات والأرض‏.‏
‏(17)‏ والحج يمثل أول صورة من صور المؤتمرات الدولية قبل أن تعرفها المنظمات العالمية‏.‏
ثانيا‏:‏ في قوله تعالى‏:﴿…‏ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ… ﴾:‏
في هذا النص القرآني الكريم إعجاز إنبائي بغيب لم يكن متوقعا في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏,‏ ويتمثل ذلك في فيض الحجاج والمعتمرين إلى بيت الله الحرام بالملايين في كل عام منذ بعثة المصطفي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى اليوم وحتى قيام الساعة‏.‏
فلم يكن بمقدور أحد من الخلق أن يتخيل استجابة المؤمنين من عباد الله الصالحين لدعوة نبي الله إبراهيم ـ عليه السلام ـ والتي أمره الله ـ تعالى ـ بالأذان بها من قبل حوالي أربعة آلاف سنة‏,‏ ثم ينساها الناس في أزمنة الجهالة والانحطاط‏,‏ ثم تتجدد الدعوة علي ألسنة عدد من الأنبياء والمرسلين من بعد إبراهيم ـ عليه وعليهم السلام ـ ثم ينساها الناس‏,‏ ثم تتجدد الدعوة وتتجسد في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ إلى اليوم‏,‏والذي أنبأ باستمرارها إلى ما شاء الله ـ تعالى ـ فيتقاطر الحجاج والمعتمرون بالملايين في كل عام من جميع أنحاء الأرض وقلوبهم تهفو إلى أداء هذه الفريضة المقدسة‏,‏ ومنهم الفقراء المعدمون الذين لا يجدون وسيلة إلى تحقيق ذلك إلا السير على الأقدام الآلاف من الكيلومترات حتى يبلغوا بيت الله الحرام‏,‏ ومنهم الذين يركبون الدواب لهذه الآلاف من الكيلومترات حتى تجهد وتنهك قواها‏,‏ والنص القرآني فيه كناية عما يعانيه المسافر لأداء فريضة الحج من مشقة ومجاهدة مهما تطورت وسائل المواصلات‏,‏ واستبدل بالأقدام وظهور الأنعام‏,‏ القطارات والسيارات والسفن والطائرات‏,‏ ومهما تطورت وسائل الاتصال‏,‏ومهما انتشر العمران في مناطق الحج المباركة وما حولها‏.‏ وهنا يتساوى الفقراء والأغنياء وعوام الناس وأمراؤهم‏.‏وهذا النص القرآني الكريم‏…‏ يأتوك رجالا وعلى كل ضامر‏…‏ يبقي من صور الإعجاز الإنبائي الغيبي في كتاب الله‏,‏ ظل يتحقق على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في تزايد متواصل وسوف يبقي كذلك إلي ما شاء الله تعالى‏,‏ وفيه من الشهادة علي صدق القرآن الكريم وإعجازه ما لا ينكره إلا جاحد‏.‏
ثالثا‏:‏ في قوله تعالى‏: ﴿…‏ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾:‏‏
(‏الفج‏)‏ في اللغة هو الشق بين جبلين‏,‏ ويستعمل في وصف الطريق الواسع‏,‏ لأن الأصل في الأرض أنها بدأت بتضاريس معقدة للغاية‏,‏ ثم سخر الله ـ تعالى ـ عوامل التعرية المختلفة للصخور في شق الفجاج والسبل‏,‏ كما ساعد علي ذلك العديد من العوامل الداخلية من مثل الطي والتصدع والخسف‏.‏ وجمع‏(‏ الفج‏)(‏ الفجاج‏),‏ ووصف الفج بالعميق كناية عن البعد‏,‏ وإشارة إلى كروية الأرض لأن الأصل في العمق هو البعد إلي أسفل كعمق البئر‏,‏ ومع بعد المسافة الأفقية على سطح مكور كسطح الأرض فإن العمق يزداد بازدياد تلك المسافة الأفقية‏,‏
وفي ذلك إشارة إلى كل من كروية الأرض والمسافات البعيدة التي يفد حجاج بيت الله منها لأداء فريضة الحج لأن المسافات القصيرة على سطح مكور تبدو للناظر كأنها مستوية‏.‏
وقدوم ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج في كل عام من مختلف بقاع الأرض هو تحقيق عملي للوصف القرآني‏(‏ من كل فج عميق‏)‏ وشهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية‏,‏ في نفس لغة وحيه‏(‏ اللغة العربية‏)‏ علي مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد‏,‏ وتعهد ـ سبحانه ـ بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله على عباده إلي قيام الساعة وشهادة للرسول الخاتم بالنبوة وبالرسالة فصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة