الإعجاز التاريخي في الآية :” فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَ..”/مع د. زغلول النجار

قال الله تعالى:” فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ” (سورة الأعراف133)‏.

هذا النص القرآني الكريم جاء في أوائل الثلث الأخير من سورة الأعراف‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وعدد آياتها‏(206)‏ بعد البسملة‏,‏ وهي من طوال سور القرآن الكريم‏,‏ وأطول السور المكية على الاطلاق‏,‏ وأول سور القرآن الكريم تعرضا بشيء من التفصيل لقصص عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين لبعثة خاتمهم‏ (‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) .‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم لوجود الاشارة فيها إلى الأعراف‏,‏ وهي أسوار مضروبة بين الجنة والنار للحيلولة بين أهليهما‏,‏ تكريما لأهل الجنة‏,‏ وامتهانا لأهل النار‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول العقيدة الاسلامية القائمة على أساس من التوحيد الخالص لله‏(‏ تعالى‏)‏ بغير شريك‏,‏ ولاشبيه‏,‏ ولامنازع‏,‏ ولاصاحبة‏,‏ ولا ولد‏,‏ والتسليم الكامل بعبودية جميع الخلق لله‏
(‏ سبحانه وتعالى)‏ وحده‏,‏ والايمان الصادق بوحي السماء‏,‏ والطاعة التامة لأوامر الله المنزلة على فترة من الرسل والتي تكاملت في القرآن الكريم وفي سنة النبي الخاتم‏
(‏صلى الله عليه وسلم‏) .‏وهذه العقيدة الاسلامية التي تشكل صلب الدين الذي يرتضيه ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ من عباده ولايرتضي منهم دينا سواه علمها ربنا‏(‏ سبحانه وتعالى‏)‏ لأبينا آدم‏(‏عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏,‏ ثم أنزلها على سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله‏ (000‏ ر‏120‏ نبي وثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏),‏ وأكملها‏,‏ وأتمها‏,‏ وحفظها في الرسالة الخاتمة التي أنزلها على خاتم أنبيائه ورسله‏ (‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ولذلك بعثه شاهدا‏,‏ ومبشرا‏,‏ ونذيرا للناس أجمعين إلى يوم الدين‏,‏ وتعهد بحفظ رسالته في نفس لغة وحيها‏ (‏اللغة العربية‏)‏ فحفظت على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد وسوف تبقي محفوظة إلى قيام الساعة تحقيقا لوعد الله الذي قطعه على ذاته العلية فقال‏ (‏عز من قائل‏)‏” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ” ‏(‏ الحجر‏9) ‏ .
وأبرزت سورة الأعراف أزلية عقيدة التوحيد في ردود عدد من أنبياء الله ورسله على أقوامهم بالقول السديد‏‏‏” يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ” (الأعراف 59) .
والتي ترددت أربع مرات في هذه السورة الكريمة على لسان كل من نوح‏,‏ وهود‏,‏ وصالح‏,‏ وشعيب‏ (‏على نبينا وعليهم وعلى جميع أنبياء الله السلام‏),‏ وأتبعت هذه الدعوة المباركة في كل مرة بتحذير أو تقريع شديد‏,‏ وذلك من مثل قول نوح‏ (‏عليه السلام‏)‏ لقومه‏‏”‏ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ” ‏(‏الأعراف‏59)‏ .
وإلى قول نبي الله هود لقومه‏‏”‏ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ” ‏(‏الأعراف‏ 65)‏ .
وإلى قول كل من صالح وشعيب‏ (‏عليهما السلام‏)‏ إلى قوميهما‏”‏ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ‏”(‏الأعراف‏85,73)‏ .
ولقد سبق لنا عرض سورة الأعراف في أكثر من مقال‏,‏ ولذلك أكتفي هنا بذكر كل من ركائز العقيدة والاشارات الكونية والتاريخية في هذه السورة المباركة‏ .‏

من ركائز العقيدة الاسلامية في سورة الأعراف :
‏(1)‏ الايمان بالقرآن الكريم وحيا خاتما منزلا من عند الله‏ (‏تعالي‏)‏ على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وضرورة الدعوة إلى الايمان به‏,‏ والانذار من عاقبة التنكر له‏,‏ أو محاولة إنكاره‏,‏ وتحمل كل حرج في سبيل ذلك لأنه يمثل مواجهة كل صور الباطل المنتشرة في أرجاء الأرض بالحق الوحيد الذي لايرتضي ربنا ‏(‏تبارك وتعالى‏)‏ من عباده دينا سواه‏,‏ ومقابلة كل صور الكفر‏,‏ والشرك‏,‏ والضلال‏,‏ والظلم‏,‏ والفساد‏,‏ والطغيان‏,‏ بالتوحيد الخالص لله‏,‏ وخشيته وتقواه‏,‏ واستبدال العديد من النظم الجائرة‏,‏ والأوضاع الفاسدة‏,‏ والانحرافات عن منهج الله في مجتمعات الناس بإقامة عدل الله في الأرض‏,‏ وتأسيس القواعد لمراقبته وتقواه‏ .‏
‏(2)‏ التسليم بأن الله ‏(‏تعالى‏)‏ منزه عن الشريك‏,‏ والشبيه‏,‏ والمنازع‏,‏ والصاحبة‏,‏ والولد‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بما أنزل الله‏ (‏تعالى‏)‏ بالعاصين من أفراد الأمم السابقة من مختلف صور العقاب المذكورة في محكم كتابه والتسليم بحتمية مساءلة المرسلين والمرسل إليهم‏.‏
‏(4)‏ الايمان والتسليم بحتمية البعث والحساب والجزاء في الآخرة‏,‏ ثم الخلود فيها إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بأن الله‏ (‏تعالى‏)‏ مستحق للشكر الدائم على عظيم نعمائه‏,‏ وأن من صور هذا الشكر الخضوع له بالطاعة وبالعبادة كما أمر‏ .‏
‏(6)‏ الايمان بقصة الخلق‏,‏ وبأن الله‏ (‏تعالي‏)‏ هو الخالق‏,‏ البارىء‏,‏ المصور‏,‏ وبكرامة الانسان مادام مطيعا لأوامر ربه‏,‏ وبعداوة الشيطان للانسان ومحاولة غوايته كما فعل مع كل من أبينا آدم وأمنا حواء‏,‏ وبأن آدم‏ (‏عليه السلام‏)‏ قد تاب وأناب‏ (‏وكذلك أمنا حواء‏)‏ وأن الله‏ (‏تعالى‏)‏ قد قبل توبتهما‏,‏ وبأن أحدا من ذريتهما لايحمل شيئا من وزرهما‏,‏على الرغم من تخرص المتخرصين‏,‏ وزعم بعض الجهلة من المشركين وأن الانسان مطالب دوما بمعصية الشيطان وبالحذر من غوايته ‏.‏
‏(7)‏ اليقين بأن الله‏ (‏سبحانه وتعالى‏)‏ قد حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏,‏ والاثم والبغي بغير الحق‏,‏ كما حرم الشرك به‏,‏ وأن يقول العباد على الله ‏(‏تعالى‏)‏ مالا يعلمون‏,‏ وحرم الاسراف وغيره من صور الافساد في الأرض ‏.‏
‏(8)‏ التسليم بأن الآجال محددة‏,‏ وأنه لايستطيع أحد من المخلوقين تغييرها‏ .‏
‏(9)‏ الايمان بأنه من اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون‏,‏ وأن من كذب بآيات الله واستكبر عنها فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏,‏ لأن ذلك من أعظم صور الظلم للنفس‏ .‏
‏(10)‏ الايمان بما جاء في كتاب الله الخاتم من وصف لأحوال كل من أهل الجنة وأهل النار‏ .‏
‏(11)‏ اليقين بأن دعاء الله‏ (‏تعالى‏)‏ تضرعا وخفية من أعظم العبادات قبولا من الله ‏.‏
‏(12)‏ الايمان بجميع رسل الله ورسالاته دون أدنى تفريق أو تمييز‏,‏ وبوحدة كل تلك الرسالات التي دعت الخلق إلى توحيد الخالق‏ (‏سبحانه وتعاليى),‏ وبأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده‏,‏ وأن العاقبة للمتقين‏ .‏
‏(13)‏ التسليم بأن خاتم الأنبياء والمرسلين ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ مرسل للناس جميعا‏,‏ وأن ذكره قد جاء في كتب الأولين من أهل الكتاب‏,‏ وإن أنكره المنكرون‏,‏ وفي ذلك يقول الحق ‏(‏تبارك وتعالى‏)‏:
” الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ .قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ” ‏(‏الأعراف‏158,157) .‏
‏(14)‏ الايمان بأن لله الأسماء الحسنى التي لايجوز أن يدعى إلا بها‏,‏ وأن الذين يلحدون في اسمائه فسيجزون ما كانوا يعملون‏ .‏
‏(15)‏ اليقين بأن الساعة علمها عند الله‏ (‏تعالي‏)‏ وحده‏,‏ لايعلمه إلا هو‏,‏ وأنها ثقلت في السماوات والأرض‏,‏ وأنها لا تأتي الناس إلا بغتة‏ .‏
‏(16)‏ الايمان بأن الملائكة لايستكبرون عن عبادة الله‏,‏ وأنهم يسبحونه وله يسجدون‏ .‏

من الإشارات العلمية في النص الكريم :
جاء في سورة الأعراف عدد كبير من الآيات الكونية والتاريخية التي يمكن إيجازها دلالاتها فيما يلي‏‏
‏(1)‏ الاشارة إلى فجائية العقاب الإلهيى (‏بأس الله‏)‏ كما يتضح من قوله‏ (‏تعالى‏)‏:” وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ” (‏ الأعراف‏ 4)‏ .
ويتأكد نفس المعنى في الآيات‏ 97‏ ‏99‏ من نفس السورة‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد على عملية التصوير بعد الخلق وفي ذلك يقول ربنا‏ (‏عز من قائل‏)‏ ” وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ “(الأعراف‏11) .‏
‏(3)‏ الاشارة إلى خلق الجن من نار وخلق الإنس من طين‏..‏ (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (‏الأعراف‏12) .‏
‏(4)‏ الاشارة الي حقيقة العداوة بين كل من الشيطان والإنسان‏,‏ وإلى مرحلية وجودهما على الأرض وفي ذلك يقول ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏:” قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ . قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ” ‏(‏ الأعراف‏ 25,24) .‏
‏(5)‏ الاشارة إلى السرعة الفائقة التي كانت الأرض تدور بها حول محورها أمام الشمس في بدء الخلق‏,‏ وإلى أن جميع أجرام السماء ‏(‏من مثل الشمس والقمر والنجوم‏)‏ مسخرات بأمر الله الذي له الخلق والأمر وفي ذلك يقول‏
(‏ عز من قائل‏)‏:
” إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ” ‏(‏الأعراف‏54)‏ .
‏(6)‏ التأكيد على أن الله‏ (‏تعالى‏)‏ هو الذي يرسل الرياح‏,‏ ويكون السحب‏,‏ وينزل المطر‏,‏ ويخرج النبت والشجر والثمر‏,‏ وأنه ‏(‏تعالى‏)‏ سوف يخرج الموتى بنفس طريقة اخراج النبت من الأرض وفي ذلك يقول ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏: ” وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ” ‏(‏الأعراف‏57)‏ .
‏(7)‏ الإشارة إلي أن البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه‏,‏ وأن الذي خبث لا يخرج إلا نكدا‏ (‏ الآية‏58‏ من سورة الأعراف‏) .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى عدد من الأنبياء والمرسلين السابقين على بعثة خاتمهم ‏(‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏),‏ وعرض خلاصة دعوتهم إلى أقوامهم‏,‏ وتفاعل هؤلاء الأقوام مع تلك الدعوة‏,‏ وذكر عدد من المعجزات التي أيد الله‏ (‏تعالى‏)‏ بها نبوة أنبيائه‏,‏ وصدق رسالات رسله‏,‏ واستعراض عدد من صور العقاب الذي أنزله الله‏ (‏تعالى‏)‏ بالكفار والمشركين من تلك الأقوام‏,‏ والكشوف الأثرية المتتالية تؤكد صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به عن ذلك وغيره ‏.‏
‏(9)‏ التأكيد على أن الطبع على القلوب يوقف السمع‏ .‏
‏(10)‏ ذكر إرسال خليط من العذاب الذي أنزله ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ على فرعون مصر وآله وكان فيه الطوفان والجراد‏,‏ والقمل‏,‏ والضفادع‏,‏ والدم‏,‏ وهو خليط لا يقوي أحد من الخلق على مقاومته إلا ماشاء الله‏(‏ تعالى‏) .‏
‏(11)‏ الإشارة إلى أن للأرض عددا من المشارق المغارب‏ .‏
‏(12)‏ ذكر تظليل قوم موسي بالغمام‏,‏ وهم في التيه ضائعون في قلب شبه جزيرة سيناء‏,‏ والإشارة إلى إنزال المن والسلوى عليهم‏ .‏
‏(13)‏ ذكر معجزة مسخ عدد من منافقي‏,‏ ومشركي‏,‏ وكفار بني اسرائيل إلى قردة وخنازير‏ .‏
‏(14)‏ الإشارة إلى إذلال عصاة بني إسرائيل عبر التاريخ‏ (‏وإلي يوم القيامة‏),‏ بواسطة من يسومهم سوء العذاب‏,‏ عقابا لهم على كفرهم‏,‏ وشركهم‏,‏ وإفسادهم في الأرض والله سريع العقاب‏,‏ وهو الغفور الرحيم لمن تاب وأناب ‏.‏
‏(15)‏ التأكيد على تحريف اليهود للتوراة التي جاءهم بها موسي‏ (‏عليه السلام‏)‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (‏تبارك وتعالى ” فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ” (الأعراف 169) .
‏(16)‏ الإشارة إلى حقيقة من حقائق علم الوراثة وهي خلق جميع البشر من نفس واحدة‏.‏ وجعل زوجها منها‏,‏ وتكدس الشفرات الوراثية للبشرية كلها في صلب أبينا آدم‏ (‏عليه السلام‏)‏ لحظة خلقه‏,‏ وأن الله‏ (‏تعالى)‏ قد أشهد تلك الذرية الآدمية وهي في عالم الذر بحقائق الربوبية والألوهية والوحدانية المنزهة عن كل وصف لا يليق بجلال الله‏ .‏
‏(17)‏ دعوة الناس جميعا إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض‏,‏ والتعرف على خلق الله‏ (‏سبحانه وتعاليى)‏ واستخلاص العبر من ذلك ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثانية عشرة والتي جاءت في الآية الثالثة والثلاثين بعد المائة من سورة الأعراف‏,‏ وقبل التعرض لما جاء فيها من دلالات علمية أرى ضرورة الاستعراض السريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة ‏.‏

” فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ” (الأعراف133)‏.

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (‏ تعالى‏)‏: ” فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ ‏”(‏ الأعراف‏133) .‏
‏ ذكر ابن كثير‏(‏رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏‏ فأرسلنا عليهم الطوفان‏..‏ عن ابن عباس‏‏ كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار‏,‏ وعنه هو كثرة الموت‏,‏ وقال مجاهد‏ (‏الطوفان‏)‏ الماء والطاعون‏,‏ وأما الجراد فمعروف مشهور‏..‏ وأما‏ (‏القمل‏)‏ فعن ابن عباس‏‏ هو السوس الذي يخرج من الحنطة‏ .
وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أرى حاجة إلى تكراره‏,‏ خاصة وأن أغلبهم كان قد استند في تفسير هذا النص القرآني المعجز على شيء من الإسرائيليات ومن الروايات المنقولة عن أهل الكتاب والتي لا سند لها‏,‏ ولا أصل ولا دليل يدعمها‏ .‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولا‏‏ الطوفان‏‏:
الطوفان كل حادثة تحيط بالإنسان وصار متعارفا في الماء المتناهي في الكثرة سواء كان هذا الماء بسبب الماء الغالب الذي يغشي كل شيء فيدمره تدميرا كما يحدث في حالات السيول الجارفة أو فيضانات الأنهار المغرقة او انصهار الجليد‏,‏ أو تفجر الماء من تحت سطح الأرض أوطغيان البحار‏,‏ وذلك لأن الطوفان الذي أصاب قوم نوح كان بسبب ماء كل من الأرض والسماء‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏
(‏تبارك وتعالى‏)‏:” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (‏العنكبوت‏ 14) .‏
ويقول‏ (‏عز من قائل‏)‏:” وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ “‏(‏ هود‏44) .‏
ولسنا ندري على وجه التحديد أسباب الطوفان الذي أرسله الله ‏(‏تعالى‏)‏ على قوم فرعون‏,‏ فلم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ شيئا عنها‏,‏ ونرى أن من الواجب الوقوف عند حدود النص القرآني مادمنا لم نجد في السنة المطهرة تفسيرا له‏,‏ وذلك تجنبا للوقوع في الإسرائيليات التي لا سند لها‏.‏ وأغلب الظن هنا أن السبب في طوفان قوم فرعون كان كثرة الأمطار المغرقة‏,‏ والسيول الجارفة التي أتلفت الزروع والأشجار ودمرت المساكن والمنشآت والطرقات‏,‏ وأدت إلى فيضان النيل الذي ساعد في هذا الإتلاف والتدمير‏.‏ وذلك لأنه لا يوجد دليل من الصخور الرسوبية أو الرسوبيات يشير إلى طغيان البحر الأبيض المتوسط في ذلك الزمن على أرض مصر‏,‏ ولا يوجد أثر لتفجر الماء من تحت سطح الأرض‏,‏ ولم تكن أرض مصر مكسوة بالجليد إلا في أزمنة غابرة تمتد إلى الفترة بين‏ 500‏ مليون سنة مضت‏,‏ و‏400‏ مليون سنة مضت على وجه التقريب‏ (‏في الفترة الزمنية الفاصلة بين العصرين الأوردوفيشي والسيليوري‏).‏ وقد وردت روايات شتي في شأن النص القرآني الذي نحن بصدده رواها الإمام الطبري في تفسيره‏,‏ وفي كتابه عن التاريخ‏,‏ ولكن يبدو أنه على روعة الجهد الذي بذله قد اعتمد في ذلك على عدد غير قليل من الإسرائيليات ‏.‏

ثانيا‏‏ الجراد‏(Locusts)‏:
‏(‏الجراد‏)‏ اسم جنس لمجموعة من الحشرات المستقيمة الأجنحة‏,‏ والتي تجمع في رتبة بهذا الاسم ‏(‏رتبة مستقيمات الأجنحة‏=((Orthoptera,‏ وتضم بالإضافة إلى الجراد مجموعة كبيرة من الحشرات منها نطاط الحشائش‏,‏ والحفار‏,‏ والصرصار‏(‏ الصرصور‏)‏ وغيرها‏ .‏ وواحدة الجراد‏ (‏الجرادة‏)‏ وهو لفظ يطلق على كل من الأنثى والذكر‏,‏ فيقال أنثى الجرادة‏,‏ وذكر الجرادة‏,‏ كما يقال ذكر الجراد وأنثى الجراد‏ .‏
ويوضع الجراد مع نطاط الحشائش‏ (GrassHopper)‏ في عائلة واحدة تعرف باسم عائلة الجراديات( ‏FamilyAcrididae) وتتميز الحشرات فيها بالفم القارض‏,‏ والأجنحة المستقيمة‏,‏ وبالقدرة الفائقة للحشرة البالغة على التجمع في أسراب كبيرة‏,‏والهجرة عبر مسافات طويلة ‏.‏ ويتراوح طول الحشرة البالغة من الجراد بين السنتيمتر والعشرة سنتيمترات‏,‏ ويصل عدد الجراد المهاجر في السرب الواحد إلى عشرات البلايين‏,‏ مما يجعله يغطي مساحة تقدر بأكثر من ألف كيلومتر مربع‏,‏ بكتلة تقدر بآلاف الأطنان‏,‏ ويأكل مثل هذا السرب في اليوم الواحد قدر وزنه من المزروعات‏,‏ ومن هنا كانت تسمية هذه الحشرة الخطيرة باسم‏ (‏الجراد‏)‏ وهو اسم مستمد من الفعل‏ (‏جرد‏)‏ بمعنى أزال وكشف‏,‏ وعري‏,‏وقشر‏,‏ يقال‏ (‏جرد الجراد الأرض جردا‏)‏ أي أكل جميع ما عليها من نبات حتي تجردت من غطائها الخضري كما‏(‏ يجرد‏)‏ المرء عن ثيابه‏,‏ و‏(‏الجرادة‏)‏ بضم الجيم ما قشر عن الشيء أي أزيل عنه‏,‏ و‏(‏الجريد‏)‏ هو السعف الذي‏ (‏جرد‏)‏ منه الخوض أي نزع عنه‏,‏ و‏(‏التجريد‏)‏ هو التعرية من الثياب‏,‏و‏(‏التجرد‏)‏ هو التعري من الثياب أو من غيرها‏ .‏
وتهاجر أسراب الجراد علي ارتفاعات مختلفة من سطح الأرض‏,‏ فمنها ما يطير على ارتفاعات منخفضة لا تتجاوز الثلاثمائة متر فوق مستوي سطح البحر في طبقات مستوية من الجراد المتراص بكثافات تتراوح بين مليون وعشرة ملايين جرادة في الكيلومتر المربع الواحد‏,(‏ الأسراب الطباقية‏),‏ ومنها مايصعد إلى ارتفاعات تصل إلى ألف متر فوق مستوي سطح البحر في هيئة تراكمية يأخذ فيها سرب الجراد شكل السحب الركامية فيسمي باسمها‏ (‏الأسراب الركامية‏)‏ يتوزع فيها الجراد في أكوام منها القمم السامقة‏,‏ والسفوح الهابطة‏,‏والأودية الفاصلة‏,‏ وبكثافات أقل من كثافة الأسراب الطباقية يتراوح فيها توزيع الجراد بين الألف والمائة ألف جرادة في الكيلومتر المربع‏,‏ وتساعد تيارات الحمل في الغلاف الغازي للأرض الهواء على إعطاء أسراب الجراد المهاجرة على ارتفاعات عالية هذه الأشكال الركامية ولذلك يختلف شكل سرب الجراد الركامي في هجرته من وقت إلى آخر باختلاف التيارات الهوائية التي تواجهه‏,‏ وإن كان الجراد بفطرته يقود سربه مع الاتجاه الرئيسي للرياح السائدة أو في اتجاه ممرات الهواء التي يتحرك الريح الرئيسي صوبها‏.‏ وغالبا ما تهاجر أسراب الجراد في النهار‏,‏ وتحط في الليل على المزروعات والأشجار تلتهم منها كميات كبيرة تعينها على استئناف الهجرة في الصباح التالي‏ .‏ وتتحرك أسراب الجراد بانضباط شديد تحت قيادة صارمة‏,‏ فتتحرك مقدمة السرب قبل مؤخرته باستمرار‏,‏ وتحط قبلها‏,‏ حتى تحدد اتجاه السرب ومواقع الهبوط ولحظات الانطلاق في كل يوم‏.‏ وتبدأ دورة حياة الجراد بوضع البيض في أماكن محددة‏,‏ ورعايته حتى يفقس في حدود شهر مايو من كل سنة لتخرج منه الحوريات التي تقوم بعملية الانسلاخ من جلدها عدة مرات حتي تصل إلى حجم الحشرة البالغة التي تحيا فى باديء الأمر حياة فردية‏,‏ ثم تمر بمرحلة إنتقالية لتكوين جماعة‏,‏ ثم تنتهي بمرحلة الهجرة الجماعية التي تقطع فيها أسراب الجراد المهاجر مسافات شاسعة تمر خلالها بمناطق التكاثر الصيفي‏,‏والشتوي‏,‏ والربيعي حتى تعود إلى مناطق تكاثرها الأولى التي انطلقت منها‏.‏ وهذه الحشرات تصل إلى مرحلة البلوغ عادة في الفترة من منتصف شهر يوليو إلى منتصف شهر سبتمبر من كل سنة‏.‏ وعلى الرغم من علمنا بدورة حياة الجراد إلا أن غاراته لا يمكن التنبؤ بها قبل بدئها‏,‏ فقد يبقي الجراد في منابته الأصلية ويقوم بتكاثر محدود دون هجرة لفترات طويلة ودون الخروج من أسرابه المعتادة‏,‏ ثم يعاود تسارع تكاثره بشكل ملحوظ وتنظيم أسرابه لمفاجأة البدء بالهجرة الجماعية‏.‏
ومنابت الجراد ليست دائمة باستمرار‏,‏ بل تتغير من فترة إلى أخرى‏,‏ وإن كانت هناك أحزمة معروفة لغزوات الجراد كما أن هناك أحزمة محددة تكثر فيها الهزات الأرضية ‏.‏
وللجرادة قدرة فائقة على الطيران لمسافات طويلة تصل إلى مائة كيلو متر في اليوم‏,‏ وذلك بما حباها الخالق ‏(‏سبحانه وتعالى‏)‏ به من قوة عضلية فائقة بالنسبة إلى حجمها‏,‏ وتمكنها هذه القوة العضلية غير العادية من خفق جناحيها لفترات متصلة تتراوح بين الست ساعات والست عشرة ساعة مما يعينها على اجتياز كل العوائق المائية والتضاريسية‏.‏ والطاقة اللازمة لهذا الجهد الخارق للعادة تستمد من تمثيل كل من المواد الكربوهيدراتية التي تحصل عليها مما تلتهمه من غذاء أولا‏,‏ ثم مما تختزنه في جسمها الناحل من دهون‏ .‏
ويقوم الجراد بهضم المواد النباتية التي يقرضها من كل من الزروع والأشجار بنهم شديد‏,‏ ويستخلص ما بها من مواد سكرية ونشوية وسيليولوزية وزيتية ودهنية‏,‏ ويحللها إلى مكوناتها الأساسية في عمليات من الهضم والأيض المعقدة‏,‏ ومن أمثلة ذلك أن الله‏(‏تعالى‏)‏ قد أعطى للجراد القدرة على استخراج غاز الإيدروجين من الدهون المختزنة في جسده‏,‏ وعندما يصل ذلك إلى دمه وتتم عملية احتراقه بواسطة الأكسيجين الجوي يتكون الماء في داخل جسم الجراد بالقدر الذي يحتاج إليه خلال رحلة طيرانه الطويلة دون الحاجة للنزول إلى الأرض من أجل الارتواء‏,‏ وذلك لأنه يستهلك كميات كبير من الماء أثناء طيرانه لايكفيه فيها ما يأخذه من النباتات الغضة التي يلتقمها بشراهة كبيرة ‏.‏
ومن هذا الاستعراض الموجز للجراد يتضح أن هذه الحشرة من جند الله التي يسخرها‏ ( سبحانه وتعالى‏)‏ على من يشاء من عباده عقابا للمجرمين من العصاة الفاجرين‏,‏ وابتلاء للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين
‏” فَاعتبروا يَا أُولي الأَبصَار‏” .‏
ثالثا‏‏ القمل‏(Lice)‏:
القمل من الحشرات غير المجنحة التي تجمع في طويئفة تسمي باسم طويئفة الحشرات غير المجنحة أو للسهولة باسم طويئفة غير المجنحات‏(SubclassApterygata)‏ وتضم هذه الطويئفة حشرات صغيرة الحجم‏,‏ عديمة التحول بمعنى أن الحشرة في مراحلها الأولية تشبه الحشرة البالغة إلى حد كبير على الرغم من ضآلة حجمها وعدم اكتمال أعضائها التناسلية ويقع القمل من هذه الطويئفة في رتبة خاصة تتميز بعدم وجود قرون شرجية ولذا تسمى باسم رتبة عديمة الذنب‏ (Anoplura).‏ وهذه الحشرات غير مجنحة‏,‏ وذات قرون استشعار قصيرة وتضم أنواعا كثيرة من القمل مثل قمل الإنسان‏,‏ قمل الطيور‏,‏ قمل النحل‏,‏ قمل النبات‏,‏ قمل الخشب‏,‏ قمل الكتب‏,‏ وغيرها‏,‏ وكلها حشرات ضئيلة الحجم‏,‏ بنية غامقة أو مصفرة اللون‏,‏ يصل طول الحشرة البالغة منها إلى ثلاثة ملليمترات في المتوسط‏ .‏
ومن القمل أنواع ماصة كالتي تحيا على أجساد الثدييات وأنواع قارضة كالتي تحيا على أجساد الطيور‏,‏ولكل حيوان ثديي نوعه الخاص من القمل الماص‏,‏ ولقمل الإنسان ‏(‏وهو من النوع الماص‏)‏ سلالتان‏‏ قمل الرأس وقمل الجسم‏,‏ والأخير يمثل آفة شديدة الضراوة في إيذاء الإنسان وشديدة الضرر به لأنها تنقل إليه الجراثيم المسببة للعديد من الأمراض التي من أخطرها مرض التيفوس الوبائي‏,‏ أما قمل الرأس فيكثر في الصغار عنه في البالغين‏,‏ وفي رءوس الفتيات عنه في رءوس الفتيان ‏.‏
ويلتصق بيض القمل القارض إما في الشعر الخاص بكل من الإنسان والحيوان‏,‏ وإما في ريش الطيور‏.‏ ويموت القمل بسرعة إذا أزيل عن عائله‏,‏ ولكن نظرا لجلده السميك‏,‏ وأرجله القوية‏,‏ وفكوكه القارضة‏,‏ ومخالبه الكبيرة التي يستخدمها في التعلق بجسد عائله أو بشعره فإن ازالته عن جسم العائل تستلزم جهدا غير قليل ‏.‏
والقمل القارض‏(Mallophaga)‏ لا يمتص الدم بل يتغذى من نتاج الجلد كالقشور‏,‏ وأجزاء الشعر أو الريش‏,‏ ونتيجة لاغتذائه بهذه الطريقة فإنه يسبب تهيجا شديدا للعائل الذي يتعيش على جسده أو رأسه‏,‏ وبفعل الاحتكاك الناشيء عن مخالبه فإنه يسقط بعض الريش عن جسم الطائر الذي يتطفل عليه‏ .‏ والقمل الماص‏(Siphuncularta)‏ يعيش على أجسام كل من الإنسان والحيوان‏(‏ خاصة الحيوانات الثديية‏),‏ ولكل حيوان ثديي نوعه الخاص من القمل الماص ‏.‏
والقمل كغيره من المخلوقات هو جند‏,‏ من جند الله‏,‏ يسلطه على من يشاء من عباده‏,‏ عقابا للظالمين من الكفرة والمشركين‏,‏ والغلاة المفسدين في الأرض‏,‏ والمتجبرين على الخلق‏,‏ وابتلاء للصالحين‏,‏ واختبارا لصبرهم ولرضائهم بقضاء الله وقدره‏,‏ واعتبارا للناجين الذين رأوا ذلك رأي العين ولكن لم يصبهم من أذاه شيء‏ .‏

رابعا‏‏ الضفادع‏(Frog,Toad,Rana)‏ :
الضفادع من البرمائيات عديمة الذيل التي تجمع في طويئفة تحمل نفس الاسم‏‏ طويئفة البرمائيات عديمة الذيل أو للاختصار طويئفة عديمات الذيل(‏SubclassAnura=Salientia)‏ وتتميز الضفادع بأرجلها الخلفية الطويلة القوية المهيأة للقفز‏,‏ والأرجل الأمامية القصيرة‏,‏ والأقدام الجلدية المعدة للسباحة‏.‏ وبعض الضفادع تحيا حياة بحرية وإن استطاعت العيش على اليابسة‏,‏ والبعض الآخر يحيا أساسا على اليابسة مع امكانية العيش في الماء‏,‏ والذي يعيش من الضفادع على اليابسة يحيا على الأشجار أو يدفن نفسه في أوحال الأرض‏,‏ والضفدع له لسان طويل‏,‏ لزج‏,‏ ومرتبط بمقدمة الفم ليصطاد به فريسته من الحشرات‏,‏ والديدان وغيرها بمفاجأة وبسهولة مهما كانت بعيدة عنه‏,‏ ومعظم الضفادع لها أسنان في فكها العلوي‏.‏ وتبدأ دورة حياة الضفدع بوضع البيض الملقح في الماء‏,‏ ورعايته حتي يفقس‏,‏ وتخرج اليرقات التي تتنفس أولا بالخياشيم‏,‏ وهذه اليرقات ليس لها أقدام‏,‏ ومع نموها تأخذ شكل الضفدع الكامل وتبدأ في التنفس بواسطة الرئتين وتحصل على الأوكسجين اللازم لعملية التنفس عبر كل من الجلد الرطب وبطانة الفم الرطبة‏ .‏
ونقيق الضفادع من الأصوات المزعجة للإنسان لأنه يسمع عبر مسافات طويلة تقدر بالأميال‏,‏ والكيس الصوتي المتضخم للذكر في بعض أنواع الضفادع قد يزيد في طوله على بقية الجسم مما يضاعف من شدة نبرات نقيقه‏.‏ ليس هذا فقط بل إن بعض الضفادع قد يحمل للإنسان عددا من الفيروسات التي تصيب كلا من الكبد والكلي‏,‏ ولذلك كان من الأخطار التي تهدد حياة الإنسان خاصة أن الضفادع تؤكل في بعض الدول مثل فرنسا‏ .‏

خامسا‏‏ الدم‏(Blood)‏:
الدم سائل أحمر اللون‏,‏ غليظ القوام‏,‏ سريع التخثر‏,‏ يتكون أساسا من كرات الدم الحمراء والبيضاء بالاضافة إلي العديد من الصفيحات‏,‏ والجسيمات الأخري‏,‏ ويعوم ذلك كله في سائل أصفر باهت يعرف باسم البلازما‏,‏ ويقوم الدم بنقل كل من الغذاء والأوكسجين والهرمونات إلى مختلف أجزاء الجسم‏,‏ ويجمع منها الفضلات‏,‏ كما يقوم بمحاربة كل الجراثيم التي تدخل إلى الجسم‏,‏ ويساعد على اندمال الجروح وفي المحافظة علي درجة حرارة الجسم‏ .‏
والدم إذا سال خارج الجسم سرعان ما يتعفن وينتن بسبب ما يحمله من فضلات وجراثيم‏,‏ ولذلك حرم طعامه‏,‏ ولذلك أيضا كان تسليطه كعقاب من الله‏ (‏تعالى)‏ لفرعون موسى وآله الذين لم يؤمنوا برسالة الله ولا برسوله إليهم‏.‏ ولسنا ندري ماهية هذا الدم الذي عوقبوا به‏,‏ ولكن في رواية عن سعيد بن جبير جاء فيها‏…‏ لما أتى موسي فرعون قال له‏‏ أرسل معي بني إسرائيل‏,‏ فأبى عليه‏,‏ فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر فصب عليهم منه شيئا‏,‏ فخافوا أن يكون عذابا‏,‏ فقالوا لموسى‏‏ أدع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه حتي أوقف الطوفان‏,,‏ فلم يؤمنوا‏,‏ ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏,‏ فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ‏.‏ فقالوا‏‏ هذا ما كنا نتمنى‏,‏ فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ‏,‏ فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع‏.‏ فقالوا‏‏ يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد نؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه فكشف عنهم الجراد‏,‏ فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏.‏ فداسوا‏ (‏أي درسوا‏)‏ وأحرزوا في البيوت‏,‏ فقالوا‏‏ قد أحرزنا‏,‏ فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج من الحبوب المخزونة فكان الرجل يخرج عشرة أجربة أي أربعين قفيزا إلى الرحي فلا يرد منها ثلاثة أقفزة‏ (‏والجريب والقفيز مكيالان للحبوب‏,‏ والجريب أربعة أقفزة‏) .‏
فقالوا‏‏ يا موسى أدع لنا ربك يكشف عنا القمل‏,‏ فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏,‏ فدعا ربه فكشف عنهم‏,‏ فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل‏.‏ فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق الضفدع‏,‏ فقال لفرعون‏‏ ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال‏‏ وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتي كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع‏,‏ ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه‏.‏ فقالوا لموسى‏‏ ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع‏,‏ فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل‏.‏ فكشف عنهم فلم يؤمنوا‏.‏ فأرسل الله عليهم الدم‏,‏ فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار‏,‏ أو ما كان في أوعيتهم وجدوه دما عبيطا ‏(‏طريا‏),‏ فشكوا إلى فرعون فقالوا‏‏ إنا قد ابتلينا بالدم‏,‏ وليس لنا شراب‏,‏ فقال‏‏ انه قد سحركم‏!‏ فقالوا‏‏ من أين سحرنا‏,‏ ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا‏ (‏طريا‏)‏؟
فأتوه فقالوا‏‏ يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم‏,‏ فنؤمن لك‏,‏ ونرسل معك بني إسرائيل‏.‏ فدعا ربه‏,‏ فكشف عنهم‏,‏ فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل‏ .‏

ومع ايماننا الكامل بقدرة الله‏ (تعالى‏)‏ على كل شيء‏,‏ تلك القدرة البالغة غير المحدودة بحدود‏,‏ ومع وقوفنا أمام هذا الحديث بإجلال كبير إلا أننا لا نقول فيه شيئا توقيرا لرسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ على الرغم من أن الحديث غير مرفوع إليه ‏.‏
وهذه الآيات المشتملة على العقاب بالطوفان الذي يؤدي إلى الهدم والغرق‏,‏ ثم بالجراد الذي يأكل الأخضر واليابس من النباتات والثمار والمحاصيل الغضة‏,‏ ثم بالقمل الذي يقضي على المخزون من الحبوب والمحاصيل وينقل العديد من الأمراض‏,‏ ثم بالضفادع التي تزيل النوم من الجفون بنقيقها المزعج وقدرتها على نقل العديد من الأمراض كذلك‏,‏ وبعد ذلك كله بالدم النتن المليء بالنفايات الجسدية والفيروسات والجراثيم التي تجعل الحياة حقا مستحيلة هي صورة من صور العذاب الإلهي الشامل لمجموعة من الكفرة والمشركين‏,‏ والغلاة المتجبرين في الأرض فيها من التسلسل المنطقي‏,‏ والشمول والإحاطة بأحداث تاريخية وقعت قبل بعثة المصطفي‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏,‏ بأكثر من ألفي سنة ما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (‏اللغة العربية‏)‏ على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلى أن يرث الله‏ (‏تعالى)‏ الأرض ومن عليها‏,‏ وما يشهد للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.‏

موقع فضيلة الدكتور زغلول النجار

أترك تعليق

تعليقات

عن درصاف شيحة